.
.
.
.

إلى أين يذهب الأمريكى المهاجر؟

عبد المنعم سعيد

نشر في: آخر تحديث:

أحيانا يلجأ الكاتب إلى قراءة مقالات ليست لها علاقة مباشرة بمجال تخصصه أو المجالات موضع اهتمامه. هذه المقالات والكتب أحيانا مع مشاهدة مباريات كرة القدم أو أفلام السينما أو قراءة روايات ودواوين للشعر تجدد النشاط العقلى لمن كان نصيبهم فى الحياة التعامل مع قضايا الحرب والسلام، والثورة والاستقرار، والسياسة بوجه عام داخل الدول أو فيما بينها. عنوان هذا المقال منقول عن مقال آخر كتبته (للى جريفز) فى مجلة (السفر والاسترخاء أو Travel+Leisure)؛ وما لفت النظر فيه هو أنه يخالف الاعتقاد السائد أن الهجرة فيما تتعلق بالولايات المتحدة تسير فى اتجاه واحد يذهب فيه ملايين من البشر قادمين من أركان الدنيا الأربعة مهاجرين إلى أمريكا؛ أما أن يترك الأمريكيون بلادهم للإقامة فى بلاد أخرى فإنه لافت للانتباه. صحيح أن كثيرا من الأمريكيين يتركون بلادهم للعمل، أو أحيانا للسياسة كما حدث أثناء حرب فيتنام حينما هرب الشباب إلى السويد هربا من التجنيد، أو لأن بلدا فيه ارتباطات تاريخية مثلما نجد الهجرة إلى المملكة المتحدة أو استراليا، أو اندهاش ثقافى كما هو الحال مع فرنسا وإيطاليا، أو بسبب الحب والغرام الذى يحدث مع بقية دول العالم الأخرى. ولكن الغريب أن يكون هناك نوع من الدعوة للإقامة من مطبوعة اعتادت أن تكتب عن أهم المناطق السياحية فى العالم، أو البلدان الأهم من حيث الطقس أو الوجبات الغذائية اللذيذة. هذه المرة فإن الحديث موجه للأمريكيين وجوهره الإقامة والعيش ونوع من الهجرة إلى بلدان يحقق الوجود فيها اطمئنانا وسعادة. البلدان العشرة المختارة وبالترتيب هى البرتغال وكوستاريكا وكوريا الجنوبية وكندا والنمسا وغانا وسنغافورة والسويد ونيوزيلندا وإسبانيا. وبين هذه البلدان عاملان مشتركان: أولهما التوازن ما بين فرص العمل وسعادة الحياة؛ وثانيهما تكلفة المعيشة. أن يجد الإنسان فرصا للعمل والدخل الجيد، ومعها أن تكون تكلفة المعيشة معقولة، من النعم التى يبحث عنها البشر. الحياة أكثر المفاهيم تعقيدا، لكن المقصود فى السياق هو المتعة الإنسانية بشكل عام وهى متعلقة بعناصر شتى فيها العلاقات مع الطبيعة طقسا وبيئة وما يسر الناظرين فى العموم ويسبب السكينة ويمنح الأمن والأمان والسعادة فى العموم، وربما الأهم العلاقات الإنسانية التى تمنح الألفة وتخلق حالات من الشغف الانساني.

وكما يحدث دائما فى هذه النوعية من المقالات أن يثار السؤال فورا لماذا لا توجد مصر فى هذه القائمة المختارة؟ والحقيقة أن المحروسة كثيرا ما استقبلت آخرين فى شكل لاجئين ومهاجرين خلال فترات مختلفة من تاريخها، واستقر فيها أحيانا مواطنون من دول الشمال المتقدم بمن فيهم أمريكيون. وللإجابة عن السؤال فإن القائمة تشمل دولا غربية متقدمة، ودولا غنية من خارجها مثل سنغافورة الآسيوية، وكوستاريكا فى أمريكا الوسطى وقريبة من الولايات المتحدة. ولكن ما يبدو استثناء من القاعدة العامة لتشابه جهات الإقامة من حيث الغنى والهدوء والطبيعة الخلابة والاقتصاد القوى وفرص العمل؛ نجد غانا الإفريقية التى تنتمى إلى الدول النامية النشيطة اقتصاديا نعم خلال العقدين الأخيرين؛ ولكنها فى ذات الوقت لا تزال واقعة ضمن الدول الفقيرة فى التصنيفات الدولية المعروفة. غانا أيضا فيها أكثر من عشر لغات محلية، وقرب العشر من الجماعات العرقية، وكلها أسباب للتخوف من اضطرابات عرقية؛ ولكن ما يجعلها مرشحة للإقامة أولا تمتعها بالاستقرار السياسى وترتيبها متقدم بين دول العالم فى مجال السلام والسلم الأهلى الذى يجعل من التنوع الثقافى والعرقى بركة وليس نقمة. وثانيا أنها من الدول الناشئة ومن ثم تتزايد فرص العمل فيها وتجعل الوظائف متاحة لمن يرغب فى مشاركة البناء فى دولة نامية بسرعة. وثالثا أنها واقعة فى الإطار الجغرافى على المحيط الأطلنطى الذى يوفر لها شطآنا واسعة جميلة، وشلالات مثيرة لأنهار قادمة من جبال خضراء عالية، وضمن خطوط العرض والتنوع البيئى الذى يجعلها دافئة ومستقرة المناخ دون ذبذبات التى يعرفها الأمريكيون بين الحرارة العالية والصقيع القارس. هى واحدة من المقاصد السياحية الإفريقية غير الشهيرة، ولكن ما رشحها للإقامة الأمريكية هى أن ترتيبها بين الدول فى صفة (الصداقة) جاء الحادى عشر فى العالم.

مصر بالإضافة إلى سابق تجربتها فى استضافة الأجانب، فإنها من الدول البازغة اقتصاديا، وتتمتع بالاستقرار والسلم الأهلي، وتفاعلها مع العالم الخارجى أكثر كثافة بكثير من غانا. والحقيقة هى أن مصر لا تبحث عن إقامة الأمريكيين فيها، وإنما استضافتهم مع غيرهم للعمل فى مشروعاتها العملاقة، والأهم للسياحة التى هى مصدر مهم من مصادر الدخل القومي. تاريخيا فإن التراث السياحى فى مصر يشهد بأن الود والصداقة وطيبة المعشر والكرم كانت دائما من صفات المصريين الجاذبة للآخرين، وربما أكثر أهمية من عناصر أخرى مثل الأسعار أو روعة الشطآن البحرية والتراث المصرى المتعدد الحضارات. ومع ذلك فإن هناك شواهد مقلقة على أن هناك ما يفزع ضيوف مصر سواء ما تعلق منها بالنظافة العامة، أو سلوكيات الاتصال بالأجانب من قبل القائمين بالاستضافة، أو التعامل فى المكان الأثرى أو الطريق العام. هناك صورة مشوهة كبيرة للأجنبي، حيث العربى دائما غني، أو الغربى والغربية يتسمان بالانحلال الأخلاقي، أو الشرقى القادم من آسيا الذى يبدو تائها داخل حضارة مختلفة. الاقتراب من هؤلاء متعدد الأبعاد فيه الكثير من الغلظة وقلة الذوق، ونعم التحرش فى بعض الأحيان والذى تعود أصوله إلى الموقف من المرأة وما لديها من غرائز، أو المال وما فيه من إباحة، أو حتى الحصول على صورة للنشر على شبكات التواصل الاجتماعى التى تدل على النشاط الزائد لصاحبها. هناك الكثير الذى علينا عمله استعدادا للجمهورية الجديدة.

نقلا عن الأهرام

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة