إيران.. التوبيخ وحده لا يكفي
نهار الأربعاء الفائت أصدرت الوكالة الدولية للطاقة الذرية قرارا ينتقد، أو يوبخ، النظام الإيراني، ويدعو طهران للامتثال لالتزاماتها في اتفاق الضمانات وضرورة تعاونها مع الوكالة لحل كافة الإشكاليات.
يعن للقارئ التساؤل: "هل التوبيخ أو الانتقاد يمكن أن يغير مسارات إيران النووية، ومساقاتها السلطوية، ويقمع رؤاها التوسعية، في الخليج العربي والشرق الأوسط، وينهي دعمها للإرهاب حول العالم؟
تبدو الأسباب التي دفعت الوكالة الدولية للطاقة الذرية لاتخاذ قرارها الأخير متعددة، غير أن أزمة كاميرات الوكالة الأخيرة والتي أزالتها السلطات الإيرانية من مواقعها داخل المنشآت النووية، كانت السبب الرئيس في تأكيد ما هو مؤكد، وهو أن إيران تتلاعب بالمفتشين الدوليين الخاضعين للوكالة، وتسوف الوقت، فيما تقوم سرا بزيادة حصيلتها من اليوارنيوم المخصب، والذي كاد أن يصل حد صناعة القنبلة النووية، هذا إن لم تكن قد صنعته بالفعل.
أمر آخر دفع الوكالة لفضح إيران علانية، وهو وجود أسئلة لم تحصل على توضيحات بشأنها تتعلق بوجود آثار يوارنيوم مخصب عثر عليها سابقا في ثلاثة مواقع لم تعلن إيران أنها كانت تجري فيها أنشطة نووية.
وفي مقابل إنذارات الوكالة إيران، كانت طهران تتوعد برد فوري على أي خطوة سياسية تقوم بها الولايات المتحدة والدول الأوربية الثلاث، ما يعكس نواياها الحقيقية في الحال والاستقبال.
يلفت النظر وسط تلاعب إيران بمقدرات المنطقة والعالم، أن هناك من يغزل ولو غزلا سيئا على الأوضاع الدولية، ويعمد إلى جعل إيران خنجرا في الخاصرة، وهذا ديدن روسيا والصين بنوع خاص، اللتين حذرتا من أن قرار الوكالة المتقدم يمكن أن يعرقل مفاوضات فيينا على حد زعمهما.
لكن السؤال الرئيس: "هل إيران راغبة حقا في المضي قدما في مفاوضات، يمكن أن تقدم خلالها تنازلات؟
من الواضح أن الإيرانيين يؤمنون بنظرية Zero –sum game أي محاولة الفوز بكل ما يمكن الفوز به من أوراق اللعبة، ومن غير تقديم مساهمات فعالة تختصم من برامجها المتنوعة.
لماذا تتمادى إيران على هذا النحو ولا تلق بالا لمناشدات الوكالة أو لغيرها من الأصوات الأوربية والأميركية، مع تفهمنا الكامل لأدوار موسكو وبكين، وكيف أنهما يريدان لواشنطن وبروكسيل المزيد من الأزمات مع الإيرانيين؟
يمكن القطع بداية بأن الإيرانيين يعون جيدا قصور أوروبا والولايات المتحدة الأميركية عن الدخول فيما هو أبعد من مجرد اللوم والتوبيخ، أي الأعمال العسكرية، ومرد ذلك الجرح النازف والمفتوح منذ خمسة أشهر تقريبا في أوكرانيا، والذي لا يبدو أنه سيلتئم عما قريب.
ثم خذ إليك قصة العقوبات الاقتصادية التي يظن البعض أنها أداة جامعة مانعة لمعاقبة إيران.
من المؤكد أن ارتفاع أسعار النفط في الآونة الأخيرة، قد زخم الخزينة الإيرانية بحفنة مليارات من الدولارات، سواء كان ذلك بسبب التهريب الذي تبدع وتبرع فيه طهران من جهة، أو من خلال الاتفاقيات التي أشار إليها وزير النفط الإيراني مؤخرا، وحديثه عن صفقات سرية تتجاوز العشرين مليار دولار.
هنا يمكن القطع بأن الخزينة الإيرانية التي باتت رهنا لمشروعات ومخططات الحرس الثوري الإيراني، لا تعبأ كثيرا بقصة العقوبات، لا سيما وهي ماضية قدما في بناء أكبر سفينة خدمات لقطعها الحربية في مياه الخليج العربي، عطفا على إعلانها الأخير عن مخبأ سري جديد للطائرات المسيرة المحملة بصواريخ، يصل مدى بعضها إلى ألف كيلومتر تحت الأرض.
تدرك إيران أن كل يوم يمر، تكسب هي فيه أرضا وسماء جديدة، فعلى الأرض تدور أجهزة الطرد المركزي المتقدمة، لتوفر لهم المزيد من اليورانيوم المخصب، والأرقام الاخيرة الصادرة عن الوكالة الدولية للطاقة الذرية تشير إلى أنه بات في حوزة البرنامج النووي الإيراني نحو 43.1 كلغم يورانيوم مخصب بنسبة 60%، وحال تخصيبه بنسبة 90% سيصبح من الممكن استخدامه في صنع قنبلة ذرية في غضون أقل من عشرة أيام، هذا إذا لم يكن ذلك قد جرت به المقادير بالفعل، وهو ما أشارت إليه بعض وسائل الإعلام الأميركية.
ما الذي تسعى إليه طهران في حقيقة الأمر؟
الشاهد أن الجواب يأخذنا إلى قراءة سيسيولوجية بعيدة عن مشهد الوكالة الدولية وتوبيخها، ويحتاج لتحليل أعمق، لا سيما أن نظرة الإيرانيين لجيرانهم، وربما للمنطقة الشرق أوسطية برمتها، نظرة فوقية استعلائية تاريخيا، تستتبعها رؤى سياسية، وفكرة حيازة سلاح نووي هي إحدى تفريعاتها وليس أكثر.
مهما يكن من أمر، فإن إيران تسعى لرفع كافة العقوبات الاقتصادية المفروضة عليها، وعدم ربط مفاوضات البرنامج النووي الإيراني بأي برامج أخرى يرى الغرب خطورتها لا سيما البرنامجان الصاروخي من جهة، والمسيرات من جهة ثانية.
عطفا على ذلك فإنها تريد تبرئة ساحة ذراعها العسكرية النافذة، الحرس الثوري، من أي اتهامات، ورفع كافة العقوبات الموقعة عليه، وفي الوقت عينه ترفض الالتزام بوقف دعمه للأطراف الميليشياوية المنتشرة في اليمن وسوريا، لبنان والعراق.
وبالإضافة لما تقدم، رفضت طهران أية طلبات أميركية لمنع استهداف جنودها من قبل الحرس الثوري، في المناطق الملتهبة شرق أوسطيا بنوع خاص.
ولعل المطلب الإيراني الذي يظهر تهافت فكرة المفاوضات بالنسبة إليها، تمثل في رؤيتها الخاصة بأن يقوم الكونغرس الأميركي بالتوقيع على الاتفاقية الجديدة مع الدول الخمس، ما يعني أن يكون ضامنا لها، ولا يضحى الأمر لاحقا مرتبطا بمزاجية اللحظة الآنية لأي إدارة أميركية قائمة أو قادمة.
ترى طهران أن واشنطن تحديدا شبه مشلولة في الوقت الحاضر، ومحاصرة من جميع الجهات، ففي الداخل كساد وتضخم، وبقايا من تأثيرات جائحة لعينة أهلكت النسل والحرث، وأفسدت الذرع والحرث.
وفي الخارج، يكاد الارتباط مع أزمات الشرق الآسيوي، ما بين أوكرانيا وتايوان، يأخذ بجهود رجالات العسكرية، وأساطين الدبلوماسية.
هل من خلاصة؟
المرة الوحيدة التي أوقفت فيها إيران بالفعل كافة أنشطتها الخبيثة، كان ذلك في مارس 2003 حين رأت الغزو الأميركي للعراق وإسقاط نظام صدام حسين.
لاحقا وبسبب التراخي والميوعة الأميركية، ورؤى باراك أوباما سيئة السمعة تحديدا، تمادت إيران، ويكاد المرء يقطع بأنه قد فات الميعاد، ولابد من مواجهة جراحية حاسمة حازمة لا تبقي ولا تذر، وما عدا ذلك فإن إيران النووية قادمة لا محالة، وساعتها سيكون من حق دول المنطقة التصرف بكل السبل التي تحفظ لها أمنها القومي.
الخلاصة... التوبيخ وحده لا يكفي.