زيارة الرئيس بايدن إلى السعودية
دأب الرئيس الأميركي جو بايدن على ترديد شعار أثناء حملته الانتخابية الرئيسية طلب فيه "عدم مقارنته بالمولى عز وجل بل بالبدائل الموجودة على الأرض"، وهو بالضبط النهج الذي يجب أن تتبعه الولايات المتحدة في الحكم على الأنظمة الأجنبية.
قامت قيادة المملكة العربية السعودية على مدى السنوات الخمس الماضية بتحولات غير عادية داخل البلاد كانت ولا تزال ذات أهمية حاسمة لاستقرار منطقة الشرق الأوسط بأكملها والاقتصاد العالمي. كما تواصل المملكة والدول الشقيقة الأعضاء بمجلس التعاون الخليجي دورها بموجب كونها جزر استقرار وتقدم في منطقة تناثرت فيها الدول الفاشلة التي تولد عدم الاستقرار وتشكل خطرا على العالم.
في هذا السياق، ستكون زيارة الرئيس القادمة للمملكة خطوة مرحب بها وحكيمة إلى الإمام لإعادة العلاقات الأميركية السعودية إلى المسار الصحيح.
ومن هذا المنطلق، يجب على الولايات المتحدة أن تضع في اعتبارها أن أسس هذه العلاقة لا يمكن أن تُبنى على اتفاق كامل حول القيم في الحكم المحلي أو السياسة الخارجية؛ وإنما يجب أن تركز على المصالح والأهداف المشتركة، حيث يمكن للطرفين تقديم القيمة الأخرى التي تعود بالفائدة على الطرفين وتخدم الصالح العام.
وبالطبع لا يقتصر الأمر على مجرد استقرار سوق النفط، الذي ركزت عليه المملكة بجدية على مدى عقود، ولكن أن تقوم واشنطن بتثمين الوضع وتقييم الأدوار لتقاسم الأعباء أيضًا، وهو أمر تفعله المملكة ودول مجلس التعاون الخليجي باستمرار في دعم البلدان الحساسة الأخرى مثل مصر وإثيوبيا والأردن وباكستان، جنبًا إلى جنب مع العديد من الدول الأخرى، فيما يتعلق بالطاقة والأمن الغذائي والاستثمار الأجنبي المباشر ودعم ميزان المدفوعات، والتي تعد عوامل غالبًا ما يتجاهلها صانعو السياسة الأميركيون، الذين يميلون إلى إلحاح مهووس لتلبية مطالبهم العاجلة على حساب الصورة الأوسع.
لا يجب أن تتوقف العقلية الأميركية عند مفهوم "إما أن تكون معنا أو ضدنا"، والتي تتجلى في مطلب غير واقعي لقطع جميع العلاقات مع روسيا، بينما تتجاهل الدور الحاسم الذي تلعبه السعودية ودول مجلس التعاون الخليجي لمساعدة البلدان التي تعاني من آثار أزمة أوكرانيا. فعلى سبيل المثال تم ضخ مبلغ 5 مليارات دولار لمساعدة مصر لمجابهة النقص المتزايد في الغذاء الناجم عن الصراع الأوكراني.
يجب النظر إلى العلاقة السعودية-الأميركية في مجملها، مع تقدير الأبعاد التاريخية والحساسية لاحتياجات ومصالح أصدقاء أميركا في الخليج.
إن تقاسم الأعباء هو أمر محوري حاسم تضطلع به دول مجلس التعاون الخليجي من أجل تعزيز نظام عالمي مستقر. لكن هذه الحقيقة تُنسى بسهولة وسط شغف اللحظة حيث ينشغل السياسيون الأميركيون بشعاراتهم العابرة وأولوياتهم السياسية العاجلة. سيكون من الصعب العثور على حلفاء أو شركاء آخرين (أطلق عليهم ما تشاء) مثل دول مجلس التعاون الخليجي، الذين يواصلون المساهمة بشكل إيجابي في دعم نظام عالمي مستقر تقوده الولايات المتحدة دون أي تكلفة مالية تتحملها واشنطن.
من الجيد أن يتذكر الأميركيون الذين يتحدثون عن الأرواح والثروات، التي فقدوها في "حروبهم التي لا تنتهي" في الشرق الأوسط أن حروب ما بعد الحادي عشر من سبتمبر تعارضت بشكل مباشر مع نصيحة الرياض، وبالتالي كانت جرحًا تسببت الولايات المتحدة في حد ذاتها بحدوثه. في الواقع، في غياب هذه الحروب، منذ أوائل الثمانينيات ومبدأ الرئيس السابق جيمي كارتر، تكبدت الولايات المتحدة القليل جدًا في الأرواح أو الأموال للدفاع عن الوضع الراهن في الخليج، لكنها استفادت بشكل كبير من الإنفاق العسكري لدول مجلس التعاون الخليجي لدعم قاعدتها الصناعية العسكرية وما يرتبط بها من عمليات إنشاء وتجهيز بما يشمل زيادة عدد الوظائف للأميركيين. إن حرب الخليج عام 1990 لتحرير الكويت، على سبيل المثال، انتهى بها الأمر إلى أن تكون خطوة رابحة للولايات المتحدة حيث غطت المملكة العربية السعودية والكويت التكاليف المالية للحرب، في حين كانت التكاليف البشرية الأميركية محدودة نسبيًا.
نظرًا لأن السياسيين الأميركيين اليوم ينادون بصوت عالٍ ويطالبون بالحق في "المساءلة" للجميع باستثناء أنفسهم، لا سيما فيما يتعلق بالأخطاء التي ارتكبتها المملكة في السنوات الماضية والتي تعد ضئيلة للغاية مقارنة بالمعاناة الإنسانية الهائلة التي سببها غزو العراق عام 2003، (وهي الحرب التي قام الرئيس بايدن وهيلاري كلينتون وغيرهم بالتصويت لصالحها)، فلربما يلاحظ الساسة الأميركيون أنه لم يتم تحميل أي شخص في الولايات المتحدة المسؤولية عن هذه المعاناة وما ارتبط بها من جرائم حرب وأضرار جانبية ناجمة عن مئات "عمليات القتل المستهدف" في جميع أنحاء المنطقة، أو حتى الإجراءات الأميركية الكارثية الأخرى التي تعود إلى حرب فيتنام. لم يواجه أي مسؤول أميركي، في الذاكرة الحية، عقابًا أو أي مساءلة عن جريمة حرب واحدة، ولا عن "المواقع السرية للتعذيب التي سميت المظلمة" لوكالة المخابرات المركزية وعمليات التسليم الغير قانونية لمشبوهين لأجهزة مخابرات أجنبية لتعذيبهم أو أي أخطاء أخرى، وآخر مثال على ذلك يجسده الموت المروع لعائلة بريئة في كابول بسبب هجوم بطائرة مُسيرة في الأيام الأخيرة لاحتلال أفغانستان.
اليوم وبينما يقترب موعد زيارة الرئيس بايدن إلى السعودية للقاء جلالة الملك سلمان بن عبد العزيز وسمو ولي العهد محمد بن سلمان، وهو اللقاء الذي سيليه اجتماع قمة مع اللاعبين الإقليميين الرئيسيين، فإن هناك ثمة فرصة ذهبية لإعطاء الأولوية للمصالح التي تشترك فيها دول مجلس التعاون الخليجي والولايات المتحدة، وتحديد أفضل السبل للمضي قدمًا في دعمها لصالح الجميع، بدلاً من التفكير في الماضي بتعقيداته حيث لا أحد يخلو من الذنب، لا سيما ، قادة الولايات المتحدة.