الكويت والصين.. المصالح وتجاهل الفروقات

عبد الله بشارة
عبد الله بشارة
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
7 دقائق للقراءة

في لقاء جمع سفير الكويت في الصين السيد سميح جوهر حيات مع نائب وزير الخارجية الصيني، بمناسبة انتهاء فترة عمله سفيراً لدى حكومة الصين، أشاد المسؤول الكبير بمستوى العلاقات بين البلدين وتطورها في مختلف المسارات، ولا سيما الاقتصادي والتجاري، مشيراً إلى استفادة الكويت من خبرة الصين في تشييد المشاريع الكبرى، وهكذا جاء التعليق في لقاء الوداع حول العلاقات بين البلدين المرتبطين بعلاقات صداقة حميمة وشراكة قوية مع التنسيق الحميد، وهنا أثني على مفردات الإشادة التي عبر عنها المسؤول الصيني الكبير، وأدون من متابعة أن السفير الكويتي تحمل مسؤولياته بكل التزام وكفاءة أسعدت الجانب الصيني وحصدت قناعة المسؤولين في وزارة الخارجية الكويتية بأهلية السفير بهذا المنصب، حيث استفاد من تجاربه سفيراً في المكسيك، وجنَّد ما لديه من طاقة ليظفر بدعم الطرفين.
الحقيقة أن العمل في الصين أمر في غاية التعقيد، فالثقافة الصينية لا تحدد الفرق بين المجاملة والحقيقة، بين الظاهر والمخفي، تلجأ إلى كلمات قليلة محشوة بالغموض والألغاز، ليس من السهل تفكيك شيفرتها، وقد كانت تجربتي مع وفد الصين في الأمم المتحدة تتطلب جهداً في تحليل المفردات وتفسير تحركات الجسم، وليس من السهل صيد المخفي من المعاني.

كنت ألجأ إلى سفير بنغلادش في الأمم المتحدة الذي سبق له العمل في بكين سفيراً، يتمتع بدعم غير مسبوق من القيادة الصينية، لمسببات كثيرة أبرزها علاقات الصين مع الهند وتصورات بكين في إمكان تحييد بنغلادش لكي لا تدعم مواقف رئيسة وزراء الهند أنديرا غاندي، التي كانت متشددة ومتوترة في علاقاتها مع الصين، واشتدت حاجتي إلى السفير البنغالي الذي حافظ على تواصله مع الصين، وعلى الأخص عندما أصبحت الكويت عضوةً في مجلس الأمن عامي 1978ـــ1979، وكانت بنغلادش عضوةً أيضاً، الأمر الذي جعلني أستفيد من هذه الزمالة عندما أصبحت رئيساً لمجلس الأمن في فبراير 1979، في ذلك الشهر دخلت القوات الصينية أراضي جمهورية فيتنام، نتيجةً للتوتر في العلاقات بين البلدين بسبب دعم فيتنام مواقف الاتحاد السوفيتي في الخلاف الصيني ـــ السوفيتي، وأيضاً لمعارضة الدور الصيني في كمبوديا.

انشغل مجلس الأمن في بداية عام 1979 بقضيتَين تشكلان تهديداً للأمن والسلام العالميين، الوضع في كمبوديا، ودخول الصين فيها طرفاً ضد موسكو واستفادتها من الزعيم الكمبودي الأمير سيهانوك، الذي كان ملكاً لكمبوديا، ثم تنازل ليصبح رئيساً للوزراء ثم يخرج من كل ذلك لاجئاً في الصين، وتأتي به الصين ممثلاً لكمبوديا في شكواها من فيتنام ومن الاتحاد السوفيتي.

تفوق الأمير سيهانوك في هجومه على موسكو على كل من سبقه من سياسيي العالم، في هجومه اللاذع ضد القيادة السوفيتية وبأسلوب لا يخلو من التمثيل، متأثراً بتواجده قرب شارع برودويه، المملوء بمسارح فيها الجد وفيها الهزل، وكان الامير سيهانوك خليطاً بين الاثنين، في وضع مسرحي لا يليق بالأمراء ولا بمكانة مجلس الأمن.

ومع غزو الصين أراضي فيتنام، قدمت الأخيرة طلب عقد اجتماع لمجلس الأمن، وتحت رئاستي، في شهر فبراير الذي كانت الشوارع فيه مملوءة بتزاحم الثلوج، الذي خلق صعوبة الحركة، وأول خطوة اتخذتها كرئيس دعوة وفد الصين للحضور إلى مبنى الأمم المتحدة وإلى مكتب رئيس المجلس، فجاء رد الوفد الصيني هاتفياً برجاء عدم عقد جلسات لمجلس الأمن، فلا ضرورة في رأي الوفد لاجتماع المجلس؛ لأن العملية العسكرية هي عملية تأديبية قصيرة، مجرد ضرب على الأصابع من دون جروح، مع رجاء تأجيل اللقاء، وعندما أكدت تصميم الدول الأعضاء على عقد جلسة، فوجئت بأن السفير يعتذر لي بأن سيارات الوفد غير مؤهلة للسير في شوارع مغطاة بالثلج، وأنه عليَّ الانتظار إلى أن يجري صفاء الجو ويكون مناسباً للوفد الصيني.

كانت نكتة صينية في وقت لا يسمح باستلطاف النكت، وهنا استنجدت بالسفير خواجة، مندوب بنغلادش، الذي يجيد التعامل مع الغموض الصيني؛ لأنه معتاد على فك الطلاسم، فاتصل بالوفد الصيني الذي كان مقره بعيداً عن مبنى الأمم المتحدة، ورحب بزيارتي، عندها آثرت الانتظار لعل الوفد الصيني يدرك حجم الانزعاج الذي تسببت فيه الصين.

في اليوم التالي، جاء الوفد معتذراً بكلمات قليلة، معبرة عن ضيق وبشعور من الإحراج، مع رجاء بأن أعمل على تأخير الجلسات، واعتذرت مؤكداً للوفد الصيني أن الاجتماع سيجري وأن الوفد الصيني أخذ حقه في تأجيل المجلس الوقت لعقد الجلسات، فكان الرجاء إليَّ بأن أبدي تفهماً للموقف المحرج للوفد الذي لا يريد أن تصبح الصين متهماً في محكمة الأمم المتحدة.

هنا شعرت بحجم الحساسية الصينية تجاه أي نقد يوجه لدبلوماسيتها، وأن الصين تفضل أن يتعامل مجلس الأمن مع هذه القضية بقبول تطمينات بأنها تلتزم حسن السلوك والانسحاب الذي سيتم بعد تحقيق الأهداف، حيث تعتبر الصين أي نقد خارجي تشويهاً لسلوكها وتشكيكاً في نزاهتها، وأن الصين تتسلح بدبلوماسية الشيفرات والغموض تحاشياً للاعتراف بسلوكيات تصيب اللوحة السلوكية العفيفة التي تقدمها في المنتديات العالمية، وفي علاقاتها الثنائية ولا سيما مع الدول النامية وبالذات في أفريقيا وأميركا اللاتينية.

انتهت القضية بعد أن فشل مجلس الأمن في تبني أي قرار بعد تصاعد المواجهة الدبلوماسية بين موسكو وبكين، وأتذكر أنني كرئيس لمجلس الأمن، تطوعت بصياغة مسودة قرارات فيها تلاعب بالكلمات، رغبةً في الوصول إلى قرار جماعي، لكن ذلك لم يتحقق، فالاتحاد السوفيتي أصرَّ على معاقبة الصين بقرار قوي وواضح، والصين ستلجأ إلى «الفيتو» ضد أي قرار يمس مواقفها، وينتقد سلوكها، وكان واجبي كرئيس التشاور مع الدول الأعضاء التي وجدت في صياغتي للمسودات ضعفاً لا يريح، وتحايلاً بالكلمات غير مهضوم.

انتهت الجلسة بالفشل الذريع لتباعد المواقف، ولمسببات «الفيتو»، الذي هددت الصين باللجوء إليه، كنت أراقب سلوك الوفد الصيني الذي لا يسمح بأي إشارة يمكن أن تساعد في معرفة موقفها، فلا تسمح لأحد أن يمارس فنون التخمين حول مواقفها أو أن يستخلص شيئاً من تفحص ملامح الوجه أو نبرات الصوت، فلا تعطي الصين مجالاً للعرَّافين ولا لقارئي البخت أن يحصل شيئاً من كيس الأسرار الذي تغلقه في وجه الجميع.

وكل ذلك يتم بأدب جم، وباعتذارات رقيقة وتحصينات جمعها الصينيون من ثقافة المعاناة التي مر بها الشعب الصيني منذ آلاف السنين، ووجد فيها حصانة تؤمن له السلامة من تدخلات الغزاة، ولا سيما من قبائل المغول ومن غيرهم.

وأشعر من خلال التجارب مع الوفود الصينية بأن المشاركة في السباق حول رصد المواقف الصينية موضوع مرهق ومسبب للصداع ومن المستحيل التفوق أو النجاح فيه، وبهذا الشعور ومن تلك التجارب، أشيد بالجهد الكبير الذي بذله السفير سميح جوهر حيات وحقق القدرة على العبور على الأسلاك الشائكة من الغموض الذي هو جزء جوهري في حياة الشعب الصيني والذي توصل إليه ليحافظ على ما لديه من تواصل ضد غزوات الطامحين من آسيا ومن الدول الغربية، فكل من فيها سعى إلى استقطاع جزء من ثروات الصين ومن جغرافيتها، ومن يذهب في زيارة إلى الصين سيقف على مبررات هذا الستار الذي يشكل جزءاً مهماً في حياة الشعب.

* نقلا عن "القبس"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط