احتلال العراق للكويت... بين الأحلام والأوهام

سعد بن طفلة العجمي
سعد بن طفلة العجمي
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
3 دقائق للقراءة

مرت يوم الثلاثاء الماضي الذكرى الثانية والثلاثون للغزو العراقي للكويت الذي جرى في الثاني من أغسطس (آب) عام 1990. لم تعُد الكويت كما كانت بعد ذلك اليوم المشؤوم، ولم يعُد العراق عراقاً كما كان حتى يومنا هذا، بل إن المنطقة العربية برمتها قد انقلبت رأساً على عقب. تلاشى مفهوم التضامن العربي، وتدمر مبدأ الأمن القومي العربي، وتغيرت الخريطة الإقليمية والتحالفات الدولية، واعترف الفلسطينيون بإسرائيل ووقّع الأردن سلاماً معها بعدما وقعته مصر والفلسطينيون ثم تلتها دول خليجية إلى جانب السودان والمغرب.
اندحر عدوان ذلك اليوم اندحاراً غير مسبوق بنوعيته وسرعته وخذلانه وهروبه وجبنه، لكن تلك كانت بداية لبدايات وحروب خاضها العراق ولا يزال منذ ذلك اليوم الأسود.
خاض عراق صدام منذ ذلك اليوم حرب قمع انتفاضة الجنوب التي قمعها من دون هوادة عام 1991، يقال إن ضحاياها تجاوزوا الثلاثمئة ألف.
ثم حاول صدام حسين -بكل جنون يحير العاقل ويجعل الصبيان شيباً- أن يغزو الكويت ثانية عام 1996، بل حاول اغتيال الرئيس الأميركي الأسبق جورج بوش الأب أثناء زيارته للكويت، وكنت مرافقه حينها كمترجمه الخاص عام 1993، فقد أرسل صدام فريق اغتيال خاص يستهدف ضيف الكويت الذي لم يعُد رئيساً بعدما أزاحه عن الرئاسة، الرئيس السابق بيل كلينتون، الذي بدوره قام بعملية قصف مواقع الحرس الجمهوري العراقي انتقاماً لمحاولة الاغتيال الفاشلة.

ثم فرض النظام على شعبه حصاراً متعمداً استمر سنيناً، فقام باختطاف أطفاله وحرمانهم مما قررت لهم الأمم المتحدة من حليب مقابل نفط يباع بإشرافها، ثم تعرض لقصف "ثعلب الصحراء" عام 1998، إلى أن جاء الغزو الأميركي واحتلال العراق الذي أطاح صدام حسين في أبريل (نيسان) 2003. ومنذ ذلك الحين والعراق "ما يترقّع" كما نقول بعامية الخليج: اقتتال طائفي دامٍ ومقيت، واستنزاح ونزوح و"تقذير وتنجيس" للسنة والأيزيدية والأكراد في غالبية الأحيان، و"داعش" والتنظيمات الشيعية المسلحة السياسية هي الفاعل في الغالب، الأربعاء الأسود عام 2009، ومذبحة سبايكر عام 2014، وسقوط أو بالأحرى تسليم المالكي الموصل لـ"داعش" وقيام "الخرافة" لأبي بكر البغدادي، ثم هزيمة واندحار تلك "الخرافة" على أيدي قوات التحالف الدولي.

أكره مصطلح "التطهير العرقي" وأرى أن "التقذير أو التنجيس" الأقرب للمعنى بدلاً من ترجمته الحرفية: Ethnic Cleansing، ذلك أنه سلوك قذر ونجس أن يزيح الإنسان أخيه الإنسان لأنه يختلف معه ومغاير له باختلافه العرقي أو الديني أو اللغوي أو الطائفي أو القومي أو غيره، وواضح أن مَن استخدمه عنصري يفكر بإزاحة الآخرين من أجل "طهارته" وتطهيره، لأنه يجد أن وجود المغايرين له يسببون خطراً على وجوده فقط لأنهم مختلفون عنه. يُذكر أن أول من بدأ "التنجيس العرقي" في عصرنا الحديث على نطاق واسع بمنطقتنا هو صدام حسين نفسه الذي أجلى مئات الآلاف ورمى بهم على الحدود الإيرانية بحجة أصولهم الفارسية عام 1980.
بل لا أبالغ القول إن ما يجري في العراق اليوم من تدخلات إيرانية، وأزمة تلد أزمة، هو نتاج من نتائج ذلك اليوم الأسود: الثاني من أغسطس 1990.
تمر الذكرى الثانية والثلاثون للغزو العراقي للكويت الذي كنت أحد أبناء جيله الذين تابعوه لحظة بلحظة، ورقبوا تطوراته ساعة بساعة، لكن يبقى سؤال لم أجد إجابة له حتى الآن، وهو السؤال الذي أسميه "سؤال الغزو"، على غرار "سؤال المليون": ترى! هل دمر صدام حسين بغزوه للكويت أحلامنا؟ أم أنه بذلك العمل الغادر قد كشف لنا عن أوهامنا؟

نقلا عن إندبندنت عربية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط