السّعوديون الشّيعة والتحرّر من ثقافة العزلة!

حسن المصطفى
حسن المصطفى
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
5 دقائق للقراءة

أمام "الحسينية الحيدرية" بمدينة سيهات، شرق السعودية، أطل مراسل قناة "العربية" نواف عزيز، لينقل لمتابعي نشرة "الرابعة" أخبار إحياء السعوديين الشيعة لمراسم عاشوراء، لتجول الكاميرا في أرجاء الحسينية، ويتحدث عزيز مع المشرف عليها.

في اليوم ذاته، 9 آب (أغسطس) الجاري، كان مراسل قناة "الإخبارية" السعودية محمد الحمادي، يقف أمام "مسجد الإمام الحسين"، بمحلة "الوارش"، في ساحة القلعة، بمدينة القطيف؛ وبما يمتلك المكان من رمزية تاريخية، وبعد اجتماعي لا يخفى على متابع للشأن الديني في القطيف. ففي ذلك المكان يحتشد آلاف المواطنين نادبين الإمام الحسين بن علي، ومقيمين مراسم العزاء، في مشهد يستحق القراءة الإنثروبولوجية والتحليل الاجتماعي الهادئ له، لإدراك كنه معناه الذي يتعدى الجنبة الدينية الطقوسية، وتتداخل فيه عناصر عدة: اجتماعية، ثقافية، اقتصادية، هوياتية، وحتى لغوية ومخيالية!

بدورها، منصة "ثمانية" أعدت فيلماً وثائقياً قصيراً، جابت فيه كاميراتها محافظة القطيف، واتخذت من شخصية شابة تقليدية، محوراً للفيلم، متحدثاً عما يعنيه العزاء الحسيني للفرد الشيعي.

أيضاً، مواقع إخبارية إلكترونية، كـ"صحيفة سبق"، أعدت تقريراً استضافت فيه الشيخ منصور السلمان، قال فيه إن "نجاح أيام عاشوراء هو إثبات لكلمة ولي العهد بأن الشيعة يمارسون طقوسهم بحرية تامة". فضلاً عن صحف إلكترونية محلية مثل "صُبرة" و"بشائر".

شخصياً، لم أتمكن من حضور موسم عاشوراء هذا العام في السعودية، إلا أنني إضافة لمتابعتي اليومية لمجريات ما يحدث، عبر "الشبكات الاجتماعية" والمواقع الإلكترونية، تواصلت مع عدد من الأصدقاء من فئات عمرية مختلفة وتوجهات فكرية عدة، وسألت كل واحد منهم عن أجواء عاشوراء لهذا العام، ومدى تقبل الناس لها. كان الجواب من الجميع أن الموسم تم في أفضل حال، وأن لا مشكلات مهمة تذكر، وأن جميع النقاط التي كانت تحتاج لمعالجة، تم التواصل حولها مع الجهات المختصة التي عملت على تذليل أي عقبات، بما يكفل ممارسة المواطنين لشعائرهم بحرية وتحت سقف القانون، ودون تسييس لها أو استغلال حزبي!

بعد سنوات من الإحياء المحدود للشعائر بسبب ظروف جائحة كورونا، شارك السعوديون الشيعة بكثافة في موسم عاشوراء هذا العام، والذي مثل بالنسبة لهم علامة على عودة الحياة لطبيعتها.

التحضيرات بدأت قبل الموسم بفترة، حيث عُقدت اجتماعات عدة بين "دائرة الأوقاف والمواريث" و"شرطة القطيف" و"بلدية القطيف" وبقية الجهات الصحية والأمنية المعنية بتنظيم المناسبة الدينية.

هذه التحضيرات والنقاشات والتعاون بين هذه المؤسسات الحكومية من جهة، وأهالي محافظة القطيف من جهة أخرى، والتناغم في التفكير في العديد من النقاط، ساهم كل ذلك في أن تكون عاشوراء أكبر من مجرد حدث ديني، بل مختبراً عملانياً لإنجاح الأفكار التنظيمية والتطويرية، ونموذجاً يُحتذى في أن أصحاب أي مذهب فقهي أو عقدي بإمكانهم ممارسة حريتهم الدينية دون إخلال بالنظام وتحت عناية "الدولة" وحمايتها.

فـ"الدولة" هي المعنية بتنظيم الشأن العام، دون أن تكون طرفاً في صف رؤية دينية قبالة أخرى، بل تعمل وفق القانون على حماية المواطنين من الخطابات الطائفية والعنصرية ودعاوى الكراهية.

التعاون بين الأهالي والجهات الرسمية، والمتابعة الإعلامية من محطات فضائية مهمة مثل "العربية" و"الإخبارية"، وبقية التغطيات الصحافية المتفرقة، دليل واضح إلى أن الحكومة السعودية تُقر لمواطنيها الشيعة بممارسة شعائرهم، وهو الحق الذي تم التعاقد عليه منذ عهد الراحل المؤسس الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن، وصانه الملوك من بعده.

إن المشكلات التي كان المواطنون الشيعة يواجهونها في سنوات سلفت، كانت بسبب المواقف السلبية والطائفية من التيارات الدينية المتشددة، وتحديداً "السرورية" و"التكفيريين"، الذين اختطفوا المجتمع لسنوات خلت، وتضرر منهم مختلف المواطنين السعوديين، بل واستهدفوا الأجهزة الحكومية والأمنية والمواطنين بعمليات إرهابية، وجاءت "رؤية المملكة 2030" لتعيد الحياة في السعودية لتوازنها الطبيعي، وعلاقاتها التعاضدية بين المواطنين، وتعمل على محاصرة فكر التطرف وملاحقة الإرهابيين، وترسخ التعددية والعيش المشترك.

هذا الانفتاح الإعلامي والحكومي والاجتماعي، يجب أن يشجع القطاعات المترددة من المواطنين الشيعة على الخروج من "الغيتو" ونبذ ثقافة العزلة، وأن لا يبقوا حبيسي منطق "الأقلية" و"الأكثرية"، لأن الخطاب الرسمي في المملكة يرفض التقسيمات المذهبية، دون أن يلغيها أو يقفز عليها، إلا أنه لا يسمح بأن تستخدم هذه التصنيفات من أجل إثارة النعرات الانفصالية والطائفية والعنصرية وتهديد السلم الأهلي.

الملك سلمان بن عبد العزيز، وولي عهده الأمير محمد بن سلمان، في أكثر من مناسبة تحدثا عن قيمة "المواطنة"، وأن السعوديين لا فرق بينهم، وهذه الرسائل الواضحة والصريحة يجب أن يعيها المترددون من المواطنين، وينفضوا عنهم غبار التفكير القديم، القائم على الخوف والريبة والشك.
هنالك شرائح واسعة جداً من المواطنين الشيعة تجاوزوا التفكير المذهبي، وهم اليوم، كل من موقعه، يشارك في التنمية وبناء الدولة، ويعيشون في مدن وقرى متعددة في مختلف محافظات المملكة، وينظرون للسعودية كوطن أصلي ونهائي، وهؤلاء هم من يقودون الإصلاح في مجتمعاتهم التي ولدوا فيها في القطيف والأحساء وغيرها.

السعودية دولة لجميع المواطنين، وهي فضاء رحب لمن يثبت كفاءته ويعمل على البناء والتنمية والتحديث؛ وهو ما على الجميع أن يعيه، وأن يشارك بحيوية في التغيير والإصلاح، الذي سيعالج كل السلبيات التي جاءت بها تيارات "الإسلام السياسي" أو المجاميع المنتفعة – الحزبية، التي حاولت أن تختطف الدولة وتمزق المجتمع!

*نقلاً عن "النهار"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.