سمو رئيس الوزراء.. حامي النظافة وصولجانها

عبد الله بشارة
عبد الله بشارة
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
6 دقائق للقراءة

في تطورات غير متوقعة، تشهد الكويت فيها نهاية عصر رئيس الوزراء السابق الشيخ صباح الخالد، وتستقبل سمو الشيخ أحمد نواف الأحمد الصباح في ترتيبات لم تكن في الحسبان، بما يضعنا في موقع ترحيبي ساخن للقادم الجديد، وفي الوقت نفسه يحزننا تسجيل الأسف على غياب الشيخ صباح الخالد عن مسرح الأحداث.

كلاهما حمل العفة منذ الصغر، وكلاهما يضع خدمة الوطن فوق كل اعتبار، مع الشيخ أحمد النواف سبقت الإشادة بأمانته وبياض مسيرته ترتيبات القدوم، ومع الشيخ صباح الخالد يتولد الإجماع الشعبي والرسمي بإعجاب لقيادته لدور الحكومة لسنوات قضاها محارباً شارحاً الأوضاع، ساعياً لعرض أثقال المهمة للمزيد من التفهم، لكنه كان يعزف نغمات الصدق والإخلاص لجمهور من النواب لم يعبأ بحجم المهمة، فقد كانت له أولوية لإفشال دور الرئاسة أو عزلها.

عرفت سمو الشيخ صباح الخالد زميلاً في المحور الدبلوماسي، وكان عضواً في وفد الكويت الدائم في نيويورك، عندما كنت المندوب الدائم، وأيقنت بأنه غير الآخرين من أبناء الأسرة الباحثين عن الأسهل واللين في الحياة.

لم تسعَ مجموعة النواب للتعرف على مخزونه الحريص على إشراك النواب ليتفهموا تعقيدات المهمة التي تولاها، وبذل جهداً للتقرب منهم وفق قاعدة الشراكة، لكن سلوكيات بعض النواب في إطلاق الشوشرة وممارسة الاختراقات للائحة الداخلية أدت إلى تعطيل اجواء التعاون، وأتمنى، بكل حماس، أن يبقى الشيخ صباح الخالد داخل عربة قيادة الدولة في المكان المناسب، وأرى مكانه مبعوثاً رسمياً لسمو الأمير ينقل إلى العالم، خصوصاً الحلفاء، المحتوى الإنساني لسياسة الكويت والذي استوطن أنفاسها وتجذر في عروقها.

جاء الترحيب الشعبي باختيار الشيخ أحمد انعكاساً لسمعته العطرة ونهجه الرقيق في التعامل مع الآخرين، مع أمل أن تترافق هذه الخصال مع نزعة حازمة تضع حداً للتسيب الإداري الذي طغى على البيروقراطية الكويتية، وتضع سلطة القانون فوق كل الاعتبارات.

ومع الترحيب بسمو رئيس الوزراء الجديد، يهمني أن أضغط على أهمية القضاء السريع على الفساد، الذي طغى على أجواء الكويت، ورافقت أسلوب معالجته من قبل الحكومة كثرة الإشاعات وغموض التفاصيل، فزادت المخاوف من خروج المتهمين من أبواب تأخذهم إلى خارج الكويت، محملين بما استولوا عليه من المال العام.

أما موضوع المساواة بين المواطنين، الذي نردده كثيراً، ونؤكد جوهريته في استقرار الكويت، فلا معنى لحياة الكويت من دون التكاتف الوطني المنطلق من إيمان الجميع بأن الكويت لهم كلهم، فمن دون هذا التداخل الوطني الجامع تتحول الكويت إلى طوائف وإيديولوجيات وقبائل وشرائح ضايعة.

وأخطر ما يصيب الكويت تدخلات الكبار لوضع أشخاص في قوائم الوظائف القيادية بلا مؤهلات تبرر عبثية الاختيارات، مع إفرازات الغضب والتمرد من مجموعة الناجحين الذين ضاع حقهم وأُخذت منهم فرصة العمر وانتقلت بظلم إلى الآخرين.

ومن المستجدات المبهجة صدور أوامر عليا برفض تنقلات المرشحين في ممرات الوزراء، وصولاً إلى مكاسب تقدم للمفاتيح الانتخابية، إضافة إلى تقليص العلاج إلى الخارج، هذه الإجراءات الوقائية كان يجب أن تتخذ من زمان، فالواقع أن زيارات النواب للوزارات والهيئات تضر بمقام التجربة البرلمانية التي أرادها المؤسسون شراكة بين الشرعية التاريخية وأبناء الشعب، وانحدارها إلى مخازن امتيازات يأخذ منها النواب ما يريدون تنفيعاً لمؤيديهم، فحصيلة هذه الممارسات والسوابق تصيب جدية التجربة وتصورها مؤسسةً توزع الخيرات بلا جهد.

يحتاج سمو الشيخ أحمد إلى الالتزام والانفتاح الداخلي للقاءات مع جميع المنتديات السياسية الكويتية، وأن يسعى بجدية إلى التعرف على هموم هذه المنتديات والاستماع إلى ما لديها من أفكار ومقترحات، فهذه اللقاءات تثري المجتمع الكويتي، خصوصاً في ما يتعلق بالمشاريع التنموية والتطور الاقتصادي، وأن يستمع إلى حقائق هذه التجمعات ليتعرف على محتوياتها.

وأتحدث عن هيبة المجلس وأداء بعض النواب المعترضين على مواقف الحكومة في عملية التصويت للرئيس، كان الشيخ صباح الخالد ناعماً في معالجته للفوضوية التي لم تحترم اللائحة الداخلية للمجلس، ومارست عبثيات بالتدخل لمنع النواب الآخرين من ممارسة التصويت، ففي هذه الحالة لا مكان للتساهل، فلا بد من حماية المجلس وصون اللوائح الداخلية، ومن دون طغيان الفوضوية، وهذا ما حدث في بداية دورة المجلس المنحل، فالنقاوة والأدب الجم اللذان تميزت بهما مداخلات الشيخ صباح الخالد لم يسعفاه أمام طغيان المجموعة المعارضة لرئيس المجلس، وزادت شهية النواب وصعَّدوا معارضتهم التي تنوعت في محتوياتها، ونتمنى، في هذا الفصل، ألا تتكرر المهزلة مرة أخرى.

وأكرر النداء لسمو الرئيس الشيخ أحمد داعياً أن يمارس عقد لقاءات شهرية مع رجال الصحافة يستمع منهم ويُسمِعهم طموحاته مع توحيد الجسور مع رجال الإعلام يؤمن للحكومة التواصل المباشر مع العاملين في الصحافة، وهم على علاقات واسعة مع مختلف أطياف الشعب الكويتي.

في مختلف الأنظمة الديموقراطية، هناك لقاءات يومية توجز المواقف عن القضايا المطروحة.. في الكويت كان المرحوم الشيخ صباح الأحمد قريباً من السلطة الرابعة، ويتعامل معها بمودة، لأن المرحوم الشيخ صباح كان يأنس لتلك اللقاءات.

جاء سمو الشيخ أحمد النواف الجابر الصباح من قطاع أمني مارس فيه مختلف الأدوار، وسبقه المرحوم الشيخ سعد العبدالله السالم في إدارة الحكومة، ومثله جاء من أجواء أمنية معقدة، ولسنا بحاجة إلى التذكير بأن الكويت اليوم غير الكويت التي قاد حكومتها الشيخ سعد، فتجربة الغزو غيرت الكويت وغيرت مشاعر أهلها، ولأننا نتعرض لتهديد يمس وجودنا كشعب ويمس الدولة الكويتية التي بناها أهل الكويت منذ ثلاثة قرون، فلا يمكن أن تتوافر شروط الوطن الآمن في بلد فيه ثلاثة ملايين وافد، بينما يبقى شعب الكويت أقلية في بلده.

فقضية تعديل التركيبة السكانية لا تأتي من ممارسة أكاديمية، وإنما لا مفر منها، فشروط الأمن الكويتي لا تكتمل وسط هذه الحشود المختلفة بعادات وثقافات وأولويات وأمزجة، فلا مفر من البدء في رسم خريطة تكفل للكويت المستقبل الآمن.

ونحن لا نتوقع إيجاد الحلول خلال فترة قصيرة، وإنما تأتي من تجنيد كل الهيئات والتجمعات بالمشاركة في البحث عن الحل الممكن، وأول الشروط لمعالجة الوضع يكمن في حوارات داخلية متعددة الأبعاد، كما يجب الاستئناس بخبرات دول مجلس التعاون، لأنها شريكة في توفير الوصفة الأمنية لهذا الموضوع.

كما لا نتجاهل ما يمكن أن يقترحه الشركاء الإستراتيجيون حول هذا الموضوع، الذين يشاركوننا مسؤولية الحفاظ على أمن الكويت، ولا يغيب عن بال سمو رئيس الوزراء أن يخص تواصله مع دول مجلس التعاون بأولوية، مستذكراً بأن التحرير جاء من أرض دول المجلس ومن بحارها ومن برها وهي شريك مفيد وحليف وجود.

استقبل شعب الكويت اختيار سمو الشيخ أحمد بتفاؤل مستقبلي نابع من خبرته العملية في الأمن ومعرفته بشروط الاستقرار وبما يملكه من سمعة عطرة تزينها النزاهة والنقاوة، وتحصنه من جراثيم الفساد.

نقلاً عن "القبس"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.