المثقفون بين الحضور والغياب
فى أزمنة المحن والشدائد والظروف الصعبة تبحث الشعوب عن عقلها المفكر وضميرها الحى لكى يؤكد دوره وأهمية وجوده .. وكان المثقف المصرى هو صاحب الدور الأكبر والأهم فى مواجهة هذه التحديات .. إن هذا المثقف هو نفسه الذى تصدر المسيرة فى كل الأوقات العصيبة سياسيا وفكريا واجتماعيا وهو الذى حافظ على ثوابت هذا الوطن ووحدته ومعتقداته .. وحين جاءت ساعة المواجهة لتحرير أرضه وإرادته كان فى مقدمة الصفوف مع جيش مصر وشعبها بكل الطوائف والأفكار .. والتاريخ أكبر شاهد على هذا الدور حربا وسلاما وأمنا واستقرارا..
> إن المثقف المصرى هو الذى قدم الفكر المستنير والإبداع الراقى والقدوة المتحضرة ولنا فى رموزنا المبدعة فى الفكر والفنون والحوار أرقى النماذج وأعلاها قدرا .. إن ثقافة مصر ورموزها هى التى قادت معركة تحرير الوطن واستعادة كرامته وهى التى حررت المرأة ونشرت التعليم وحافظت على الثوابت دينا ولغة وعقيدة .. وقبل ذلك كله هى التى تركت لنا هذا الإنسان أكرم مخلوقات الله وأعلاها قدرا .. سوف يطول بنا الحديث عن دور المثقف المصرى فى تاريخ هذا الوطن وحياة شعبه بل فى تاريخ الشعوب العربية كلها ثقافة وحرية وفكرا.. كان هذا بعض ما قدم المثقف المصرى ولكن مرت عليه سحابات شوهت مسيرته وأساءت لدوره فتخلى عن مسئولياته تجاه شعبه..
> وكانت وراء هذا الغياب أسباب وظواهر كثيرة:
ــــ أولاً : كان انقسام المثقفين المصريين اخطر داء أصاب هذه النخبة المميزة وما بين المعارك الأيديولوجية اليسار واليمين والرجعى والتقدمى والدينى واللا دينى فقد المثقفون المصريون أهم مقومات أدوارهم وهى المصداقية واتساع الرؤى ووحدة الأهداف والغايات .. فقد المثقف المصرى أهم ما اتسمت به مسيرته الفكرية فى الموضوعية والقدرة على الحوار وكان من أسوأ أمراض الانقسامات ظهور كارثة الشللية بحيث تحولت ساحة الفكر والإبداع إلى مضاربات وصفقات وقوى تصفى بعضها بعضاً..وسقطت قدسية الحوار والرأى الآخر .. وتحولت ساحة الفكر إلى معارك دامية أمام انتصارات وهمية سحبت الكثير من رصيد المثقف المصرى ودوره ومسئولياته..
ــــ ثانيا: كان أهم وابقى أحلام أى مثقف يدرك قيمته ودوره أن يقدم إبداعا حقيقيا وفكرا مستنيراً ورصيدا يبقى مع الأيام ويقاوم متغيرات الزمن ولكن سفينة الأحلام جنحت بأعداد كثيرة من مثقفينا ما بين بريق السلطة وبريق المال .. هناك من تسلل إلى سراديب السلطة، وهناك من جرى وراء المال ووجد فى خزائن البترول ما يحقق أهدافه .. وخسرت مصر مواهب كثيرة ما بين المال والسلطة وقد أساء ذلك كثيرا لدورها وصورتها ومكانتها .. وما بين البترول والسلطة تخلى كثير من المثقفين المصريين عن الكثير من ثوابتهم الأخلاقية والإنسانية..
ــــ ثالثا : فى الفترة الأخيرة شهدت الساحة الثقافية فى مصر معارك غريبة تسترت بالفكر والرؤى وهى فى الحقيقة تمثل نوعا من أسوأ ألوان الشطط، لأنها اتخذت من الأديان وسيلة لإشعال الفتن وادعاء البطولة ودخلت فيها أفكار وتوجهات غريبة وإن حملت دعاوى الاجتهاد .. كانت هذه المعارك من اخطر الظواهر التى قسمت المثقفين المصريين ثم انتقلت إلى حشود من المثقفين العرب كان ظاهرها الأديان وإن كانت فى حقيقتها استكمالا لظواهر سبقت وكلها كانت تحركها أهداف وحسابات سياسية وأياد تعبث فى مقدرات الشعوب وثوابتها لأسباب لا تخفى على أصحاب العقول الواعية .. كانت معركة العدوان على المقدسات اخطر ادوار بعض مثقفى مصر وقد أساءوا للثقافة المصرية دورا وتاريخا ومسئولية .. لا احد ينكر أن هذه المعارك كانت سببا فى تعميق الانقسامات بين المثقفين المصريين بل إنها تجاوزت وكانت سببا فى انقسام الشعب المصرى واختلافه حول ثوابته .. ولا شك أن ذلك كله سحب الكثير من دور الثقافة ومدى تأثيرها فى الشارع المصري..
ــــ رابعا: لا نستطيع أن ننكر أو نتجاهل أن هناك بعض الأيادى الخفية كانت وراء هذه المعارك التى وصل بعضها إلى حد الصدام وقد وصلت حدود التدخل إلى أموال مشبوهة وأطراف خارجية لها أطماعها ومصالح فرضت نفسها على بعض أصحاب النفوس الضعيفة الذين أساءوا لثقافتهم وشعوبهم وعقائدهم.
ــــ خامسا: أخطأ بعض الكبار حين شوهوا فكر الشباب الواعد ما بين تشجيع أشكال جديدة من الكتابة التى لا تمت للإبداع بصلة فى كتابات مثل قصيدة النثر وتشويه اللغة العربية وإهمالها والدعوة لكتابات شاذة لا تتناسب مع أخلاق شعوبنا .. ولا شك أن تشجيع مثل هذه النباتات الضارة أساء كثيرا للإبداع المصري..
> أعود من حيث بدأت : الشللية هذا الداء العضال قد ترك آثارا سيئة على أجيال الشباب خاصة أمام موجات الإلحاد التى اجتاحت عقول الكثيرين منهم ولجأ بعضهم إلى كتابات مشوهة وغريبة ولم يجدوا من يرشدهم إلى الإبداع الحقيقي.. إن القضية خطيرة وشائكة، خاصة أن القدوة قد غابت وأن الكثير من الأدعياء فرضوا أنفسهم على الساحة الثقافية وعلى الإبداع الحقيقى وهى خسارة لا تعوض.. إن الحل عندى أن نعود إلى ثوابتنا ونحافظ على إبداعنا ولا نتحول إلى أبواق فى أيادى الآخرين جريا وراء مال أو مناصب وسلطان..
> إن الذى يحزننى كثيرا هو موجات التشويه التى تتعرض لها الآن عقول شبابنا مابين دعوات للضلال ومحاولات التغريب وإفساد للفكر والأخلاق والسلوك.. وما يحدث الآن من جرائم القتل والتحرش والاغتصاب ما هو إلا دعوات إلى حرية كاذبة يتستر خلفها البعض تنفيذا لبرامج مشبوهة وأحلام مريضة وعداء سافر لثقافة مصر دورا وريادة وإبداعا .. والحل عندى أن نعود إلى جذورنا ونحيى ثوابتنا ولا نترك الفرصة لدعوات مشبوهة يروج لها الآن من لا يقدرون دور المثقف الحقيقى ومسئوليته فى الحياة..
> إن دعوات الشذوذ التى تتسرب فى بعض الكتابات تحت دعاوى حقوق الإنسان والحريات وتجد من يروج لها وينشرها ظواهر غريبة علينا وتحتاج إلى مواجهة حقيقية .. كما أن إهمال اللغة العربية والطعن فى مصداقية الأديان والهجوم على رموزها دعوات مشبوهة لا احد يعرف من يشجعها ويقف خلفها.. إن المتغيرات التى تشهدها الساحة الثقافية الآن تدعو للخوف والقلق على شبابنا الذى يتعرض لهذه الهجمات الشرسة ولا يجد من يحميه .. إن المثقف المصرى يحتاج إلى صحوة يسترد بها دوره ويستعيد مكانته حين كان يقود مسيرة الوطن نحو الحرية والكرامة واحترام آدمية الإنسان..
> لا خلاف بيننا حول أهمية الحوار والرأى الآخر وتعدد وجهات النظر والاجتهاد وكم اختلف مثقفو مصر فى عصور عبرت ولكن الحوار اتسم دائما بالترفع والموضوعية ولم يسقط فى متاهات التردى والانقسام والتجريح والإساءة لأقدار الناس ومكانتهم .. ولا ادرى سببا لحالة الانهيار التى أصابت لغة الحوار عند مثقفينا وشوهت تاريخ الثقافة المصرية بكل رموزها وقضاياها..
..ويبقى الشعر
بَاريسْ ..
الآنَ أجْـلِسُ فى رُبُوعِكِ ..
دُونَ هَمْس ٍ أوْ كلامْ
قـَطـَعُوا لِسَانِى
إنـِّى فـَقـَدْتُ النـُّطـْقَ يَا بَاريسُ مِنْ زَمن ٍ بعَيدْ
قـَالـُوا بأنَّ النـَّاسَ تـُولـَدُ..
ثـُمَّ تنـْطِقُ.. ثـُمَّ تـَحْـلـُمُ مَا تـُريدْ
وأنـَا أعِيشُ وَفِى فـَمِى قـَيْدٌ عَنِيدْ
قـَطـُعوا لِسَانى..
قـَطـُعوه يَوْمًا عِنـْدَمَا سَمِعُوه
يَصْرُخُ فِى بَرَاءَتِهِ القـَدِيمَةِ
عِنـْدَ أعتابِ الكبَارْ
«إنــَّى أحِبُّ».. «وَلا أحِبُّ»
صَاَحُوا جَمِيعًا ..
كـَيْفَ «لا» دَخَلـَتْ لِقـَامُوس ِ الصِّغَارْ
صَلـَبُوا لِسَانِى عَلـَّقـُوه عَلى الجدَارْ
قـَطـَعُوه فِى وَضَح ِ النـِّهارْ
مِنْ يَوْمِها وَأنا أقـُولُ .. ولا أقـُولْ
وَأرَى لِسَانِى جُثــَّة خَرْسَاءَ تنظرُ فى ذهُولْ
وأخافُ مِنـْه فـَرُبَّما يَومًا يَصِيحْ
وَيثور فى وَجْهى القبيحْ
فلقدْ رأيْتُ دِمَاءَهُ كالنـَّهْر ..
تـُغرقُ وجْهَ أيَّامى .. وَيسقـُط كالذبيحْ
وَخَشيتُ مِن غَضبِ الكِبَارْ
مَازلـْتُ ألـْمحُ طيفهُ الدَّامِى .. عَلى صَدْر الجَدَارْ
فِى كـُلِّ وَقـْتٍ أمْضَغُ الكلِمَاتِ فِى جَوْفِى .. وأبَلعُهَا
وتنزفُ بَيْنَ أعْمَاقِى.. وَتصْرُخُ فى شرايينى
ويَحْمِلنِى الدُّوارُ.. إلى الدُّوَارْ
كلمَاتـُنـَا.. جُثثٌ تنامُ بدَاخِلِى
فأنا أقـُولُ .. ولا أقـُولْ
وأنا أمُوتُ.. ولا أمُوتْ
كلماتنـَا قتلـَى..
ودِماؤهَا السَّودَاءُ فى صَدْرى تـَسِيلْ
لا تـَعْجَبى بَاريسُ مِن صَمْتِى
فـَصَوْتِى بَيْنَ أعْمَاقِى قتِيلْ
بَاريسْ..
إنـَّى اكتفيْتُ بأنْ أرَى عَيْنيكِ
خلـْف «السِّين ِ» كـَالعُمْر الجَمِيلْ
فالصُّبْحُ فى عَيْنـَىَّ شئٌ مُسْتـَحِيلْ
والحُلمُ فى أعْناقِنـَا قيدٌ ثـَقيلْ
كمْ كـُنـْتُ أحْلـُمُ..
أنْ أجِىءَ إلـَيْكِ مَشْدُودَ الخُطـَى
لكنَّ قيْدًا فِى الضُّـلـُوع يشُدُّنِى
وأقومُ يَجْذبُنِى
وأصْرُخُ يَحْـتـَوينِى.. ثـُمَّ أسْقـُط كـَالحُطامْ
وأرَى الكلامَ يَسِيلُ مِنْ صَدْرى..
وَينـْزفُ تحْتَ أقدَامِى..
ويَلـْقِيهِ الزِّحَامُ.. إلى الزِّحَامْ
كلمَاتنا صَارتْ دِمَاءْ
وَدِماؤُنـَا صَارتْ كلامْ
>>>
القيدُ يا بَاريسُ عَلــَّمنِى الكـَثِيرْ
فـَالضَّوْءُ فى أيَامِنـَا شَىءٌ مُحَالْ
والخُبْزُ للأبْنـَاءِ عَجْزٌ..
أوْ دُمُوع.. أو خَيَالْ
والحُلـْمُ فِى نـَومِى ضَلالْ
والصَّمْتُ أفْضلُ مِنْ سرَادِيبِ السُّؤَالْ
قـَالـُوا: لدَيْكِ يُسَافِرُ العُشَّاقُ..
فِى حُلـْم ٍ طـَويل ٍ لا يَمُوتْ
والحُبُّ فِى أعْمَاقِنـَا
شبَحٌ تـُغلـِّفـُهُ المَنـَايَا..
فِى خُيوطِ العَنـْكبُوتْ
وإذا أتيْتُ إلـَيْهِ يَجْذبنِى
فأهْرَبُ.. أوُ أمُوتْ
الحُبُّ فِى دَمِنا يَمُوتْ
>>>
بَاريسْ..
إنـَّى أحَاولُ أنْ أقـُولَ لديْكِ شَيْئـًا..
آهِ مِنْ صَمْـتِى القـَبيحْ
قـَطـَعُوا لِسَانِى..
مَازلـْتُ أخـْفِى بَعْضَهُ سِرًا..
وَيَنـْزفُ بَيْنَ أوْرَاقِى
أحنطـُهُ كتِذكـَار لأيَّام ٍ مَضَتْ
لِى فِى رُبُوعِكِ قبلَ أنْ أمْضِى رَجَاءْ
سَيجىءُ ابنِى ذاتَ يَوْم ٍ
علـِّمِيه النـُّطقَ يا بَاريسُ
أنْ يحكِى.. وَيَصْرخ
أنْ يَقـُولَ كمَا يَشَاءْ
فلقدْ تركـْتُ لـَهُ لِسَانِى
بَيْنَ أوْرَاقِى ذَبيحْ
حَتـَّى تـَظلَّ دِماؤُه بَعْدِى تـَصِيحْ
((قصيدة تأملات باريسية - سنة1989 ))
نقلا عن الأهرام