وفيكم سمّاعون

عادل الكلباني
عادل الكلباني
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
4 دقائق للقراءة

ليس كل الأخبار وكل ما تسمعه يحتاج ويتطلب تتبعه والتثبت منه، فكثير مما نسمع ونقرأ ونعلم يكفينا الإعراض عنه وإماتته في مصدره، دون تكرار النظر فيه ولا استماعه، ولا نشره ولا إعادة التغريد به في مواقع التواصل الاجتماعي، ولا حتى الإشارة إليه للاطلاع

ليس كلّ الناس "سماعين"، فكثير من المتلقين للأخبار يستوقفهم الخبر من أول حرف، ويتفرسون صدقه من كذبه، من القرائن المحفوفة بالخبر، إما من جهالة مصدر تلقيه، أو من معرفة حاله وشهرته بنقل الأخبار المزيفة والكاذبة والمشبوهة، وقد أكد القرآن الكريم على ثقافة التثبت في نقل وتلقي الأخبار حتى تنضبط معلومات الناس، ويغلب على المجتمعات الصدق وبروز الحقائق دون عناء وتكلف، فقال اللهُ في محكم التنزيل «يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قومًا بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين» ويحسن بنا هنا التنبيه إلى لطيفة لغوية، وهي أن كلمة "نبأ" جاءت منكّرة وهي تعم كل الأخبار المتداولة، فلا تختص بما يتكلم بِه في الوعظ أو في نقل الحديث وغير ذلك من أمور العلم الشرعي، بل تعم كل المنقولات الخبرية، إلا أنه خص من بين الكلمات الدالة على معنى الخبر بـ"النبأ" وذلك تنبيها بأن ليس كل الأخبار وكل ما تسمعه يحتاج ويتطلب تتبعه والتثبت منه، فكثير مما نسمع ونقرأ ونعلم يكفينا الإعراض عنه وإماتته في مصدره، دون تكرار النظر فيه ولا استماعه، ولا نشره ولا إعادة التغريد به في مواقع التواصل الاجتماعي، ولا حتى الإشارة إليه للاطلاع، وكل ذلك يفهم من قول المولى «وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه» فاللغو يشمل كل ما يتناقله الناس ويتحدثون به دون قصد لتثبيت مضمونه وإنما من باب التفكه في المجالس، أو الاستكثار من الجماهير، أو شغل الفراغ بالفراغ، وقد يكون ذلك محدودًا في الأزمنة السالفة، وربما كانت المجتمعات بطبيعتها التدينية تأنف من الإكثار من هذه الأخبار، بل كان ما يتكلم به المسلم معيارًا لقبوله في المجتمع والثقة به والاعتماد عليه، وربما غالى بعضهم في ذلك حتى أنف من كثير من المباحات في الكلام، وليس هذا المقصود، وإنما المقصود هنا هو كيف تكون أنت في هذا الزمن المتعدد المصادر في توصيل الأخبار بكل أنواعها وألوانها؟

كيف تكون أداة ربانية فعالة في وأد الأخبار المزيفة وإماتة مصادر الأخبار الكاذبة والمغرضة، من قنوات ومواقع ومنصات تواصل بانتقائك ما تشاهده وتتابعه وتنشره وتنقله، وليس بالضرورة أن يكون اختيارك وواجهتك "مادة دينية" فلكل شخص تخصصه وما يحسنه، ولكن يكفي أن تكون متأكداً من عدم ضرر ما تتبناه على المجتمعات، فالمجتمعات فيها الكثير والكثير ممن يأخذ الأخبار على محمل جد، ويسعى ليغير بها ثقافة المجتمع، وهي خاوية من الصدق والنفع، ومشحونة بالكذب والضرر، وفي التنزيل حين تحدث الله عن أعداء المجتمع المسلم «لَوْ خَرَجُوا فِيكم ما زادُوكم إلّا خَبالًا ولَأوْضَعُوا خِلالَكم يَبْغُونَكُمُ الفِتْنَةَ وفِيكم سَمّاعُونَ لَهم واللَّهُ عَلِيمٌ بِالظّالِمِينَ» قال ابن عاشور: وهذه الجملة اعتراض للتنبيه على أن بغيهم الفتنة أشد خطرًا على المسلمين؛ لأن في المسلمين فريقا تنطلي عليهم حيلهم، وهؤلاء هم سذّج المسلمين الذين يعجبون من أخبارهم ويتأثرون ولا يبلغون إلى تمييز التمويهات والمكائد عن الصدق والحق.

وقد يأتي عدم المبالاة في تدوير الأخبار ونقلها بعواقب سيئة كبيرة نبه الله عليها بقوله «فتصبحوا على ما فعلتم نادمين» فقد يأتيك الشيطان من حيث لا تدري ويزين لك أن هذا الخبر أو المنشور فيه مصلحة، ونشره استفزاز لخصم، أو إغاظة لحاسد، فتنشره وأنت تعلم بخوائه وكذبه، ولكن غلبة إحسان الظن بالنفس تفوقت على تحكيم الشرع والعقل والعرف في نقلك الأخبار، وهذه الثقافة سائدة بكثرة في مجتمعات "الانترنت الافتراضية" ومواقع التواصل، والقنوات الفضائية، وهو ما ينعكس أثره سلبًا على حياتنا في الواقع الحقيقي، فكن مصدرًا نافعًا صادقًا في المجتمع، يشار إليك بالمصداقية والحقيقة، وتذكر قول صلى الله عليه وآله وسلم: كفى بالمرء كذبا أن يحدث بكل ما سمع. فكن حريصا في السماع، وأكثر حرصا في البلاغ. هذا، والله من وراء القصد.

* نقلا عن " الرياض "

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط