كيف تصبح مشهوراً؟

ياسر عبد العزيز
ياسر عبد العزيز
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
5 دقائق للقراءة

فى الأسبوع الماضى تدافعت الأخبار التى تربط بين المجالين الافتراضى والواقعى كما هو معتاد فى السنوات الأخيرة.

ومن بين هذه الأخبار برز خبران؛ أولهما يحكى عن فتاة تبادلت صوراً وفيديوهات حميمية مع صديقها، عبر تطبيقات «التواصل الاجتماعى»، ثم حدث خلاف بين هذا الأخير وأسرتها، ما جعله يقوم ببث الصور العارية والفيديوهات المُسيئة على «الإنترنت»، ليصل الأمر إلى تدخل الشرطة، بعدما عرف العالم جميعاً بقصتهما، وشاهد الملايين الصور الحميمية الخاصة.

أما الخبر الثانى، فيتعلق بفتاة تعيش فى دلتا مصر، خرجت فجأة على أحد وسائط «التواصل الاجتماعى» بينما تظهر الكدمات وآثار الضرب على وجهها، لتخبر المتابعين بأنها تتعرض لعنف أسرى، ما حمل الشرطة على الذهاب إلى موقع سكنها، وتقديم الحماية اللازمة لها، ومحاولة تحرى الحقيقة.

والشاهد أن هذين الخبرين، وغيرهما الكثير مما تحمله وسائل الإعلام كل يوم، يؤكدان بوضوح أن الخط الفاصل بين الشخص العادى والشخص المشهور، الذى يمكن أن يصبح حديث الناس ومحط اهتمام الأخبار حتى على وسائل الإعلام العالمية المرموقة، بات واهياً جداً، ولا يحتاج أحدهم لتجاوزه سوى للتضحية بقدر لا بأس به من الخصوصية، أو امتلاك القدرة على إدهاش الآخرين ولفت انتباههم.

بسبب النفاذية التى تمتلكها تلك الوسائط، وقدرتها الفائقة على الوصول والتأثير، وسهولة استخدامها وإتاحتها للجميع، فقد بات الجميع أيضاً يمتلكون القدرة على أن يكونوا شخصيات مشهورة. ولم يعد أحد يتمتع بذلك الحد الفاصل بين ما هو شخصى وما هو عام. باتت تصرفاتك كلها عرضة لتسليط الأضواء عليها، وحياتك الشخصية مجالاً للتطفل وفضول الآخرين.

أنت اليوم شخصية عامة، حتى وإن كانت الكاميرات وأجهزة التسجيل لا تطاردك فى كل لحظة، فإنها ربما تصطادك فى لحظة ما، مهما كانت خاصة أو حميمية أو حتى مخزية، وفى دقائق، ستكون أشهر من ترامب ورئيسة وزراء فنلندا، وربما تقودك شهرتك الجديدة إلى السجن أو الفصل من عملك.

فإذا كنت واقفاً أمام ماكينة الصرف الآلى، بغرض سحب بعض النقود، وأمامك صبية حلوة، فاحذر، لا تغازلها، فربما يتطور الأمر، وتسجل الكاميرا المعلقة أعلى الماكينة تفصيلات الحدث. فإذا كان حظك سيئاً، وكانت للمغازلة تداعيات مثيرة، فقد يوزع أحد موظفى البنك «الكليب» الذى قمت ببطولته على الآلاف فوراً.

وإذا كنت مخبراً تقمع تظاهرة فى أحد بلداننا العربية، فاحسب تصرفاتك جيداً، فلن ينفعك الضوء الأخضر الممنوح لك من قادتك بتعليم المتظاهرين الأدب، ولن يستطيع أى منهم حمايتك مما قد يحدث لك إذا استخدم أحدهم هاتفه المحمول المزود بكاميرا، والتقط لك صورة، تفضح إحدى الممارسات التى تعودت عليها طيلة العقود الفائتة. فصورتك وأنت تضرب شاباً، أو تجر آخر بعدما جردته من ملابسه، أو تتحرش بمتظاهرة، أو تقمع رجلاً عجوزاً قد تنشر وتنتشر كما النار فى الهشيم، ومن ثم تصبح موضوعاً لمحاكمة، وربما ما هو أكثر.

لا تتهاون بعد الآن، وإن كنت لا تصدق، فتذكر هذا الضابط الذى جعل امتهان كرامة الآخرين بضربهم وانتهاك حرمتهم لعبة مسلية، وسمح لآخرين بتصوير مقاطع فيديو لحفلات القمع التى يقيمها حيث يعمل، فقد عمله وسمعته ومعهما مستقبله، حينما تحول شخصية عامة، وبطلاً لـ«كليب» شهير، يتداوله الناس عبر أجهزة الهاتف المحمول. فقد قاد «الكليب» الذى يصور معاناة فريسته وقمعه ومعاونيه لأسيره الأعزل إلى شخصه، ومن ثم اقتيد إلى المحاكمة، التى كان دليلها الأهم الفيلم الذى قام ببطولته.

وهذا الرجل الذى كان يعمل فى الحملة الانتخابية لأحد مرشحى الانتخابات، وراح يوزع المبالغ المالية على الناخبين لشراء أصواتهم ومعها ذممهم، لقد تم تصويره، لتصبح صوره وثيقة فى فضيحة كبيرة لاحقاً، ودليلاً دامغاً على استخدام هذا المرشح للمال السياسى لإحراز المقعد الذى لا يستحقه.

حتى تلك الفتاة المسكينة التى كانت تعبر عن عواطفها الحميمة مع صديقها، لم تكن تعرف أنها ستصبح شخصية عامة، نجمة متألقة، صاحبة أعلى الكليبات مشاهدة، فى الحى والقرية وربما الإقليم كله. فقد كان أحدهم يصور اللقاء الحميم، ومن ثم استعان بما تيسر من تقنيات البث، لتجد ما فعلته قبل قليل فيلماً يعرض على شاشات الهواتف والحواسب الآلية، ويحظى بأعلى نسب المشاهدة.

لقد ساهمت الثورة الهائلة فى مجال تقنيات البث فى تحويل الإنسان الفرد، رجل الشارع، هذا البسيط الذى لا يعرفه أحد خارج منطقته السكنية، إلى شخصية عامة، يتداول الآلاف، وربما الملايين، صوره وكلماته، فيغدو المسكين مفضوحاً أو مسجوناً أو مطارداً، وتصير أفعاله مهما كانت خاصة أو حميمية أو إجرامية على الهواء مباشرة، ومن دون رقابة أو حجب أو تشفير، أو حتى شرائط سوداء على العينين.

فى عصر «اليوتيوب» صار كل ما يحدث داخل منزلك، أو فى الحديقة العامة، وحتى فى المرحاض العمومى مرشحاً للعرض العام، بعدما بات كل من يمتلك هاتفاً محمولاً أو كاميرا فيديو، ويقف، لسوء حظك، حيث تمارس أنت أفعالك غير المعتادة، مخرجاً ومنتجاً وموزعاً لفيلم مثير أنت بطله.. وضحيته الوحيدة.

احذر مرة أخرى، ولا تفرح بأنك صرت شخصية عامة، واحسب تصرفاتك جيداً، فى المول، حديقة المنزل، العمل، الشارع، السيارة، وربما فى الفراش.. فثمة كثيرون يفكرون الآن فى إنتاج أفلام من بطولتك.

* نقلا عن "الوطن"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط