كوارث المواقع الإخبارية

 ياسر عبد العزيز
ياسر عبد العزيز
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
4 دقائق للقراءة

فى مقابل كل وسيلة إعلام «تقليدية» نسمع عن إغلاقها أو تقليص عملها، يصدر عدد كبير من المواقع الإخبارية الإلكترونية، ورغم أنه من المفترض أن ترفد هذه المواقع العمل الإعلامى والنقاش والفهم العموميين بفرص وفوائد، فإن أغلبها للأسف ينطوى على مخاطر كبيرة.

من المفترض أن نتلقى الأنباء عن صدور موقع إلكترونى جديد يبث أخبارا ومواد إعلامية بالابتهاج، إذ يعنى هذا فتح نافذة إضافية للجمهور للتعرف إلى معلومات جديدة، ومنح مجموعة من الصحفيين الفرصة للتعبير عن استعدادهم وشغفهم المهنى، وهو أمر يدعو إلى الارتياح بكل تأكيد.

لكن السنوات القليلة الفائتة علمتنا ضرورة أن نتلقى الأنباء عن صدور مواقع جديدة بحذر وترقب، بعدما أعطى بعض تلك المواقع أسوأ الانطباعات عن نفسه، والقائمين عليه، ومهنة الصحافة، بكل أسف.

لا يمكن إنكار أن استخدام الإعلام «التقليدى» أداة فى صراعات اجتماعية وسياسية واقتصادية عديدة، على مدى عقود طويلة، أدى إلى الإساءة إلى صورته والنيل من صدقيته لدى الجمهور.

كما تأثر هذا الإعلام بالتوجيه والقيود والضغوط والممارسات غير المهنية، التى وجد نفسه يعانى تبعاتها الثقيلة، بسبب أنماط الإدارة والملكية وهيمنة الأنظمة السياسية، الأمر الذى زاد الالتباس فيما يتعلق بالأخلاقيات التى تحكم الممارسة المهنية الإعلامية.

وربما يبدو الحديث عن الأخلاق فيما يتعلق بالأمور المهنية الاحترافية أمراً غريباً، لكن الواقع يؤكد أن الالتزامات الأخلاقية ظلت حاكماً رئيسياً لنجاعة الأداء المهنى، وشرطاً واجباً لضمان حماية مصالح الأطراف المتصلة به.

لذلك ظهرت مواثيق الشرف الصحفى Codes of ethics or conducts. كما ظهرت أدلة العمل التحريرى Editorial Guidelines، إضافة إلى ميراث كبير من آليات التنظيم الذاتى للعمل الإعلامى Self-Regulation، وهى آليات استهدفت جميعها تعزيز الممارسة الأخلاقية فى العمل الإعلامى، ومحاولة الحد إلى أقصى درجة ممكنة من الأضرار غير الموضوعية التى يمكن أن تسببها الممارسات الإعلامية لبعض الأطراف.

ويمكن القول إن ميراثاً كبيراً من أدبيات الضبط والتنظيم ومواثيق الشرف التى استهدفت تعزيز النزعة الأخلاقية فى الممارسة الإعلامية ترك أثراً يمكن قياسه على جودة المواد الإعلامية التى تم بثها للجمهور على مدى قرن من الزمان، مع الإقرار بالطبع أن تلك الممارسات حفلت، فى بعض الأحيان، بالإساءات والحدة والإضرار بمصالح الأطراف فى نظم إعلامية مختلفة.

وفى الوقت الذى كانت فيه أدبيات الإعلام والأكاديميات ومراكز التفكير والمؤسسات الإعلامية ذاتها تبذل جهوداً لتعزيز النزعة الأخلاقية فى الأداء الإعلامى، تغير المشهد الاتصالى العالمى قرب نهايات القرن الفائت.

وكان الملمح الأساسى فى هذا التغير يتعلق بازدهار أقنية الإعلام الرقمى بتجلياته المختلفة وخصوصاً ما اتصل منها بما سُمى «وسائل التواصل الاجتماعى».

فرض الإعلام الرقمى تحديات كبيرة على مبحث أخلاقيات الإعلام، وكان أحد أهم تلك التحديات ما يتعلق بمفهوم الصحفى نفسه وقدرتنا على تعريفه، إضافة بالطبع إلى فكرة سقوط حارس البوابة، وهى الفكرة التى كانت محوراً أساسياً اعتمدت عليه وسائل الإعلام «التقليدية» فى تعزيز النزعة الأخلاقية فى الأداء الإعلامى.

لقد أضحت عملية إصدار صحيفة إلكترونية سهلة بالقياس إلى التحديات التى تعترض طرق إنشاء الصحف ومحطات الإذاعة والتليفزيون، وبسبب هذه السهولة تدافع كثيرون نحو إطلاق المواقع الإخبارية على شبكة «الإنترنت»، وهو أمر ألقى بظلال قاتمة على صناعة الإعلام، وزعزع المتبقى من ثقة الجمهور فى نتاجاتها.

يقتضى الإنصاف القول إن بعض التجارب الصحفية الإلكترونية المنبثقة عن مؤسسات إعلامية «تقليدية» فى الأساس مازالت تحاول التمسك بحد أدنى مُعتبر من القواعد المهنية والأخلاقية، وأن مواقع إلكترونية جديدة بدأت عملها بقدر من النزوع المهنى الملحوظ، لكن أعداد تلك التجارب قليلة، ولا تكاد تظهر ضمن طوفان من العبث والانفلات.

عشرات المواقع الإلكترونية التى ظهرت خلال السنوات القليلة الفائتة لا تعطى أى اهتمام للقواعد المهنية، ولا تحفل بالالتزامات الأخلاقية لمهنة الصحافة، وتكرس نفسها لتحقيق الرواج على حساب أى معيار أو قيمة، وهو أمر ستكون له عواقب وخيمة.

* نقلا عن "المصري اليوم"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط