يا وزارة المعارف أوقفي سطوة الحركيين

خالد العضاض
خالد العضاض
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
6 دقائق للقراءة

لا يوجد خطأ في العنوان، فما أن تقرأ أو تسمع لأحد مسؤولي وزارة التعليم، حتى تتيقَّن أننا أمام طفرة تعليمية غير مسبوقة في تاريخ المملكة -وهذا حق لا مرية فيه على مستوى المناهج، وطرائق التدريس- وكثير من النظم التي تصنعها الوزارة أو تطورها، ولكن ما إن ترى ميدان التعليم في الواقع، أو ما إن تأخذ المدارس أو بعض الجامعات والكليات كحالة دراسية منفردة حتى يعود بك الزمن إلى العام 1975، وقت وزارة المعارف، وبداية وزارة التعليم العالي، في عز سيطرة التنظيمات الصحوية على التعليم.

يدرك كل متابع أن سياسة الاستقطاب عند حركيِّ الصحوة اليوم تتركز على وسائل التواصل الاجتماعي، فعلى مدار السنوات الماضية، ومنذ العام 2011، نجحت التنظيمات الصحوية في استقطاب جيل جديد انضم للميليشيات الإلكترونية، ومهما بدا أن القوم قد توجهوا بقوة إلى الاستقطاب عن بعد، عبر التطبيقات الإلكترونية، إلا أن المدرسة والجامعة تظلان هما الإستراتيجية الأولى للصحوة في مسألة استقطاب أجيال جديدة، قديمًا وحديثًا، وقد استغلت الصحوة العمل الحركي والتنظيمي عبر المدارس والكليات، حيث ينظر إليها أنها خزان بشري لاستقطاب الكوادر، فمنظرو الصحوة تفطنوا مبكرًا إلى أهمية التعليم في مشروعهم الطامح إلى صحونة المجتمع، وأن الصحونة تلك لا تتم إلا عبر بناء جيل متشرب لأيديولوجيات الصحوة المتنوعة، وبالفعل استطاعوا فرض أجندتها على التعليم، وزرع مناهجهم داخل بنية التعليم السعودي، حتى تحول من عمله التربوي والتعليمي إلى عملية استقطاب أيديولوجي مباشر وغير مباشر، عبر المعلم والمنهج والنشاط في محيط المدرسة والكلية، والصحوة حينما استغلت تنفذها في دوائر التعليم لتحقيق أهدافها، بالسيطرة على أبرز وسيلة قدمت لهم المجتمع على طبق من فضة، وهي المدرسة، قاموا بلا تلكؤ ولا تأخر بالاستقطاب التنظيمي، والترويج لفكر الصحوة ومفكريها، ونشر مؤلفاتهم، وتوجيه المجتمع من خلال توجيه القطاع العريض فيه، وهم الطلاب، وأداتهم الأولى في ذلك (المعلم)، وكان التحكم الكبير في تحريك المعلمين داخل المناطق التعليمية، وتوزيعهم يتم حسب رغبات الحركيين التربويين بكل سلاسة وسهولة، مما يعطي دلالة على مدى القوة والسيطرة على قطاعات التعليم جميعها، تطور الأمر أكثر بعد توسع قاعدة المعلمين الصحويين فصاروا يصدِّرونهم للقرى البعيدة والنائية، ويمكث المدرس فيها أكثر من سبع سنوات، وحينما يؤدي دوره ينتقل إلى مدينته مباشرة، حيث إن حركة التنقل من التعيين وحتى الوصول إلى المدينة تأخذ بضع سنوات، فكان أولئك التربويون القياديون يوجهون كوادرهم من المعلمين للمكث في ذات القرية أو المحافظة كامل المدة، ليتحقق الهدف على أكمل وجه، بدلًا من التنقل كل عام في قرية مختلفة، حتى يصلوا إلى مدينتهم، وذلك بعد أن تم تطبيق نظام يسمح بذلك، ويكون المدرس/المدرسون في القرية أو المحافظة، هم من يمسك بمفاصل العمل الدعوي والخيري، ويتم إمدادهم بالأموال والتبرعات العينية، فيفتتح هناك فرعًا لجمعية خيرية ما، أو يكون رئيسًا للجمعية الخيرية الموجودة، وجمعية تحفيظ القرآن الكريم، ويُذلل له الارتباط بالمحافظ وغيره من كبار المسؤولين، وغيرها من المنافع التي لا تحصى، وهذا الأمر أيضًا منسحب على القضاة، كما أن أولئك الحركيين يحرصون على التواجد بشكل فاعل ومؤثر في إدارات التدريب التربوي، والإشراف التربوي، ليكونوا على مقربة من المعلمين الذين يديرون عملية التواصل مع الطلاب.

كنت أتمنى لو تم التنبه لهذا الأمر قبل عقود، أجزم أن أمورًا كثيرة كانت ماتت في مهدها، وكنا اليوم في شأن تعليمي مختلف، غير أني أدرك كذلك أهمية إعادة القول وتكراره حتى تنتهي سطوة الحركيين على التعليم في مفاصله المختلفة، والتي ما زالت مستمرة، وتأخذ كل مرحلة شكلًا مختلفًا، تجيد فيه التخفي، وإعادة التقولب والتمركز من جديد لتتناغم مع كل متغير، خصوصًا في هذه المرحلة مع البدء بالإصلاح الحقيقي للتعليم، بحماية ميزانياته، والعناية بتجويد مخرجاته، ومناهجه، وإدخال النظم الجديدة فيه.

إن سطوة الحركيين داء متجذر ومزمن في مفاصل التعليم، ويجب العمل على معالجته بجدية أكثر، وفاعلية أكبر، وهذا سواءً على مستوى المعلمين والمعلمات، أو على مستوى المسؤولين عن المكاتب التعليمية، وإدارات التعليم، وهو أمر نرى تأثيره في تعطيل خطط التعليم وسياساته الجديدة، ولا يخفى في هذا الصدد التساؤل العريض والمستمر، عن مناهج تعليم الموسيقى، والذي ما زال قائمًا وحيًّا، بحسبانه ذو أهمية حضارية كبرى ستنقل الأجيال نحو حياة مختلفة، خلَّاقة وثرية مفعمة بالجمال والبهاء، من خلال رفع ذائقة الطلاب والطالبات، ومساهمة الفنون في خلق أجيال متسامحة وودودة ومتحابة، من أجل جودة حياة أكثر ألقًا وإشعاعًا، وكذلك الغياب التام لرياضة البنين والبنات في المناهج الصفية، والمناهج اللاصفية، والتي هي مؤشر كبير على اهتمام الدولة بأبنائها، وحتى في حال إقرارها هذه المواد بشكل كامل، سنجد تكالب صحويّ وصحويات التعليم على تدريس المواد الجديدة لتعطيلها كما فعلوا بالتربية الوطنية، ذات يوم، وكما هو مشاهد اليوم من تقدم بعض مدرسات الدين لتدريس حصص الرياضة، بغية السيطرة على تلك المناهج لتفريغها من الداخل وقلبها إلى حصص أيديولوجية، وهو أمر معمول به في أدبيات الحركات السياسية (الصحوية) لمزاحمة أهل الباطل -زعموا- في تخصصاتهم، لقلبها عليهم.

على كل، وبعد تعهد سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان في مارس 2018، بالقضاء الكامل على ما تبقى من فكر جماعة الإخوان المسلمين في مدارس السعودية، في مقابلة مع (برنامج 60 دقيقة) التابع (لشبكة CBS الأمريكية)، شرعت وزارة التعليم في إعادة صياغة مناهجها التعليمية لمحو أي تأثير أو أثر لجماعة الإخوان المسلمين فيها، كما أننا سمعنا عن أنها عملت على إبعاد كل من يتعاطف مع الجماعة، في أي منصب بالقطاع التعليمي، غير أن الأمر على أرض الواقع فيما يبدو ما زال كما هو أيام وزارة المعارف.

فتشوا يا وزارة المعارف عن بعض المدارس التي لم تعر اليوم الوطني أي أهمية، أو التفات، إلا فيما يحميهم من المساءلة، على الرغم من سماعنا عن وجود قرار بالاحتفال باليوم الوطني لأسبوع دراسي كامل.

نقلا عن الوطن

انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط