تجديف النساء

ناصر الحزيمي
ناصر الحزيمي
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
3 دقائق للقراءة

هنالك في التراث نصوص أهملت بل غيبت عن عمد تحمل خطابا مهما من خارج منظومة الخطاب السائد والمكرس ومن خارج نطاق اللمم. وكما نعلم أن هناك تراثا إنسانيا وفيرا قد غيب وأدخل في دوائر النسيان والإهمال لصالح نخب فرضت نفسها كمراقبين وأوصياء على ثقافة الأمة.

ولو طالعنا الكتب التي ألفت في الحسبة وهي كثيرة لاكتشفنا ما يعانيه الوراقون والكتبية مثلا من تنمر وتهديد ووعيد من قبل رجال الحسبة يضاف إلى ذلك معاناة من يقرأ كتب الفلسفة أو السير الشعبية من منع من الإمامة في المساجد أو تعليم الناشئة. لقد كان هناك الكثير من الكتب تتداول بشكل سري بعيدا عن عيون أهل الحسبة والمتطرفين والعوام كما هو حادث في بعض المجتمعات الآن ،فمنع نتاج ثقافي أو فني هو عام في كثير من المجتمعات المعاصرة ،وقد ترجمت منظمة حقوق الإنسان في مصر مجلدا كبيرا يضم جداول لمصنفات فنية وثقافية ما زالت ممنوعة في دول العالم المتحضر في أوروبا وأمريكا وآسيا وإفريقيا وأستراليا، وأعمالاً فنية تضم الروايات والأشعار والأفلام السينمائية واللوحات والموسيقى ولفت نظري هنا حظر بعض أغاني البيتلز في بريطانيا وغيرها.

وكما يقال الحديث ذو شجون ما أريد قوله هنا إن ممارسة الرقابة على أفكار الناس وقناعاتهم ليس أمرا جديدا ولا تختص به أمة دون أخرى بل هو شائع ومنتشر وغالبا هو ما تمارسه التيارات المتطرفة، هنالك نصوص خطيرة احتال المدون في تمريرها على الرقابة المتطرفة من خلال وضعها في أبواب الطرائف والملح يذكر الصفدي في كتاب الوافي بالوفيات ج25/244
((قَالَت امْرَأَة مزبدٍ لجارةٍ لَهَا: يَا أُخْتِي؛ كَيفَ صَار الرجل يتَزَوَّج بأربعةٍ، وَيملك من الْإِمَاء مَا يَشَاء، وَالْمَرْأَة لَا تتَزَوَّج إِلَّا وَاحِدًا وَلَا تستبد بمملوكٍ؟ . قَالَت لَهَا: يَا حبيبتي؛ قومٌ الْأَنْبِيَاء مِنْهُم، وَالْخُلَفَاء مِنْهُم، والقضاة مِنْهُم، وَالشّرط مِنْهُم، تحكموا فِينَا كَمَا شَاءُوا، وحكموا لأَنْفُسِهِمْ بِمَا أَرَادوا.))
هذا النص الخطير لم يستطع المدون تمريره إلا من خلال الملح و المفاكهات ولا يمكن أن نجد هذا النص أو ما في معناه متداولا في كتب العقائد والكلام خصوصا وأنه من كلام امرأة هي غالبا من العامة كما صنفها المدون إذ إن عقلها وضع بمرتبة عقل الطفل والمولى (العبد) وعليه نجت المرأة هنا من المساءلة والمطاردة لأنها عند النخب الذكورية ناقصة عقل ودين، ولو أن هذا النص قال به أحد النخب الذكورية أو حتى عوام الذكور لكان الصلب مصيره، وكما نرى أن النخب الذكورية تتعالى على الأنثى، ولا تمنحها الخصومة والخلاف كما هو حادث مع الرجال لهذا من النادر جدا أن تصلب امرأة بل هو من المعدوم غير الموجود في المدون ولا يوجد في النساء من اتهمت بالزندقة ولا يوجد أسماء نساء لهن مشاركة في سجالات الفرق مثل المعتزلة والقدرية والمرجئة، المهم أن المرأة غير موجودة في الحياة العقلية ويستثنى من ذلك نساء الأندلس نوعا ما وهو نادر إلا أنه موجود، وقد نعجب إذا علمنا أن المرأة في أحدث المجتمعات المعاصرة ما زالت تعاني من الفوارق مع الرجل أما المرأة في فكر الإسلام السياسي وفي خطاب الجماعات الإسلامية فلا تزال عرضة لأوهام الإسلام السياسي المتطرف أو الشكلي وقد وصلنا ما قرروه من فتاوى إذ أفتى أحدهم بحرمة تعليم المرأة الكتابة وأفتى آخر بحرمة تعليم البنات في المدارس الحكومية ووصل الحال ببعضهم أن يقف ضد أنوثتهن وطبيعتهن بسبب غسيل الدماغ الذي يتعرضن له في محيط الإسلام السياسي أن السلوك السلبي تجاه المرأة هو ما يروجه الإسلام السياسي بشتى الصور.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.