مذكرات جلود.. والحماقة الثورية
استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي
أصدر السيد عبدالسلام جلود، الرجل الثاني في قيادة نظام القذافي، مذكراته التي أعطاها اسم «الملحمة» حسب وصفه لما تم من إنجاز، وقام المركز العربي لأبحاث ودراسة السياسات بنشرها، وتوجد في بيروت، وهي شريط مكتظ بالمغامرات، مكتوب بحماس شبابي حالم بشيء يختلف عن الموجود في ليبيا، التي كان يحكمها ملك حنون وزاهد ومتقدم في السن، يتحاشى التجديد، ويتخوف من التغيير، وفوق ذلك، لا يملك أجهزة مخابرات منتشرة تراقب وتعاقب ويحسب لها حساب مثل مخابرات مصر والعراق البعثي، وإنما تسير الأمور بهدوء وببطء لا يتناغم مع الحماس الثوري الشبابي.
ويعترف جلود بأن اللقاء الأول مع معمر القذافي كان في السجن بسبب تظاهرات طلابية أقنعته بالتآلف مع القذافي، الذي أغراه بالتحول من التظاهرات والاعتصامات إلى العمل الإيجابي المنظم ومده بمؤلفات ساطع الحصري وكتب عن الثورة الفرنسية والماوية في الصين.
وفي 1959، تم تأسيس تنظيم حركة «الوحدويين الأحرار» برئاسة القذافي وعمر المحيشي وآخرين، وفي عام 1963، اقترح القذافي على هذه المجموعة التوجه للانضمام إلى الكلية العسكرية وعسكرة الحركة ليس للتخرج كضباط، وإنما ليكون لديهم سلاح تفجير الثورة وتحرير ليبيا من القواعد.
وفي أول سبتمبر 1969، استطاع القذافي ومجموعته السيطرة على القوات المسلحة، الأمر الذي مكن جلود من الاتصال بولي العهد «حسن رضا السنوسي» الذي تم اعتقاله مبكراً، وقابله في مكان الاعتقال، طالباً منه التنازل عن العرش، فوافق ولي العهد.
كان الملك إدريس يزور اليونان، وأذعن للتحولات دون إظهار أي اعتراض، ونجحت الثورة مستفيدة من خمول العهد الملكي.
يتحدث جلود عن أول لقاء مع الرئيس جمال عبدالناصر، بعد شهر واحد من الثورة حيث تم اللقاء في منزل الرئيس في القاهرة، فيسأله جلود ماذا تريد لتواصل حرب اليهود، فيرد جمال أنه بحاجة إلى طائرات الميراج الفرنسية، فيرد جلود بأنه مستعد للذهاب إلى فرنسا لطلب هذه الطائرات، ويضيف بأنه ذهب إلى السودان ثم عاد إليها بعد أيام ليجد الرئيس المصري قد عين فريقاً فنياً ممتازاً، ويذهب جلود إلى فرنسا باسم مستعار متخفياً تحت غطاء وفد زراعي.
كان طلب الرئيس عبدالناصر طائرات مفاجأة لجلود، الذي يريد قبل كل شيء تحرير الانسان العربي سياسياً وثقافياً واجتماعياً وتغيير الوضع العربي يأتي من انتصار الثورة وتحرير الإرادة العربية.
لم يشر جلود إلى دور مصري في الثورة لا من مخابرات ولا من تسلل عناصر مصرية تدعم الثورة عند إعلانها، وما جاء في المذكرات عن هذه المقابلة الأولى تجاهل حقائق وتعاونا لم يدونهما صاحب المذكرات.
ويتحدث عن مبادرة روجرز الأميركية وقبولها من مصر، ورفضها القذافي مع عتاب ثوري ليبي حول سحب القوات المصرية من اليمن والتخلي عن الثورة، ورفع شعار وحدة الصف بدلاً من وحدة الهدف، فينتقده ثوار ليبيا، فيرد عليهم الرئيس المصري بأن الملك فيصل ابن حلال وقف في قمة الخرطوم ودعم مصر بعشرين مليون دولار!، فيعلق جلود (تمنيت ألا أسمع هذا الكلام من عبدالناصر) لأن الثورة الليبية اعتبرت عبدالناصر ملهم الثورة والقومية من عدن إلى الجزائر ومن المحيط إلى الخليج.
ولم يكن هنا أي تلاق فكري أو سياسي مع السادات، مع اعتراض جلود على الخطة المصرية لعبور سيناء، مع انزعاج الفريق أحمد اسماعيل من انتقادات جلود، ويعاير جلود الفريق اسماعيل بأن اسرائيل قامت بتفكيك الرادارات من البحر الأحمر، قائلاً (طالب ناصر بإعدامك، أنت يا أحمد اسماعيل..) فيسقط الفريق اسماعيل على الأرض مغشياً عليه.
ويصف السادات بأنه مثل الخديوي في تصرفاته وعقليته، ويصف حرب أكتوبر بانها حرب تحريك..
ويتحدث جلود عن مؤتمر القمة الإسلامي الذي عقد في الدار البيضاء، وكانت عودة مصر إلى المؤتمر أهم القضايا، وأن الملك فهد والملك الحسن الثاني يلقنان رئيس باكستان ضياء الحق، ورئيس غينيا أحمد سيكوتوري، بأن عودة مصر طلب إسلامي، لكنه طلب أميركي عربي رجعي..
رافقت سمو الشيخ خليفة بن حمد آل ثاني، رئيس الدورة لمجلس التعاون في عام 1984، وجلست أستمع إلى اعتراضات جلود وهو يصرخ ويحذر ويبحر في نقده للأغلبية المطلقة التي تؤيد عودة مصر إلى المؤتمر، ويتدخل الملك الحسن قائلاً (سي جلود، لقد أعطيتك الكلمة 17 مرة) فيرد جلود بصوت عال: لأنني طرف وانتم جميعاً طرف آخر..
كما انتقد جلود ياسر عرفات لدعمه مصر، فيتدخل جلود، مندداً بعرفات، وأتذكر جلود في آخر جلسة يردد ماذا أقول للقائد القذافي في ضوء الهزيمة..
كما أشار جلود في الكتاب إلى خناقة وزير خارجية اليمن «عبدالكريم الإيرياني»، حيث مسكه من ربطة عنقه ناعتاً الوزير بالعميل.
هناك صفحات كثيرة عن تدخل ليبيا في تشاد، لمساعدة المسلمين ضد حسين هبري الزعيم التشادي، وكان موقف عبدالسلام جلود متحمساً في بدايتها، منتقداً نهايتها، مع انتصار هبري الذي تمكن من دحر القوات الليبية، ويبرر جلود بأن التعثرات العسكرية التي أصابت الجيش الليبي تعود إلى تجاهل الاستراتيجيين العسكريين الخطة التي صاغها جلود..
ومن الواضح أن هناك خلافاً بين الزعيم القذافي ونائبه جلود حول أهداف التدخل وعدم التزام الخطة التي وضعها جلود.
وتمكن الإشارة إلى أن التدخل العسكري الليبي وفشله كانا أول الهفوات التي تلاحقت وأدت إلى الخلاف بين جلود وزعيمه القذافي.
ويتحدث جلود عن جولته في المنطقة واصفاً ما شاهده بالخوف المتمكن فيها من شاه إيران مع الاستسلام التام لما تريده بريطانيا، كما أن سكان المنطقة يعيشون في فقر شديد، كما ذكر بأنه اقترح القيام بعمل عسكري مشترك لاسترداد الجزر، لكن بعض الدول عارضت الفكرة، كما أن هناك دول تطلق تسمية الخليج الفارسي على الخليج العربي ورفضت نشر تصريحات جلود التي تؤكد عروبة الخليج العربي، كما رفضت أي إجراء ضد الشاه أو بريطانيا.
كما يضيف بأنه عرض بيانا مشتركا يدين احتلال الجزر، لكن رفض المقترح.
يتحدث جلود عن اختفاء موسى الصدر، الذي وجهت له الدعوة من الرئيس القذافي، ويذكر بأنه لم يكن يعرف بأن الصدر من المدعوين، إلا بعد أن أعلنت وكالات الأنباء عن اختفائه، فاتصل بالقذافي، وكان جلود غاضباً جداً، ويقول له من غير المقبول أن ندعو شخصاً وهو في ضيافتك وفي بيتك ثم ترتكب هذه الجريمة، فيرد القذافي رافضاً الاتهام، وناصحاً جلود بأن يتولى البحث عنه، ثم يضيف جلود بأن القذافي طلب من الأجهزة الأمنية اختيار شخص بحجم وطول الإمام الصدر ليتقمص شخصيته، ويلبس ملابسه ليغادر إلى روما، فرشحت المخابرات عقيدا في الأمن الداخلي اسمه محمد علي المبروك الرحيبي، ويعترف جلود بأن القذافي يرفض دائماً أن تتولى شخصية شيعية إيرانية، زعامة الشيعة العرب في لبنان أو العراق، كما كان يتهم الإمام موسى الصدر بأنه إيراني مدسوس في الطائفة الشيعية، وأن قيادة الشيعة يجب أن تكون عربية.
يقول جلود إن علاقته مع القذافي كانت عميقة وبينهما ثقة وتفاهم من 1969، حتى منتصف الثمانينيات، عندما بدأ القذافي يبعد الرفاق ويجمع السلطة بمفرده، ويتصرف دون علم الآخرين، ومنهم جلود، كما بدأ يفتح قنوات سرية مع مختلف أجهزة المخابرات، وبدأ يتخوف من زملائه في مجلس القيادة، ويتجه نحو العائلة والقبيلة ويدفع بأولاده للصدارة.
ورغم برود العلاقة مع جلود فإن القذافي لم يقبل بالاستقالات التي يرسلها جلود إليه مطالباً بقبولها بعد أن اتسعت دائرة الخلاف بينهما.
ويتحدث عن الغزو العراقي البعثي لدولة الكويت، ويصف صدام حسين بالعقلية الطاووسية التي وقعت في فخ نصبته الولايات المتحدة، كما سعت لتغطية قرارها بمشاركة حكام عرب لا شرعية لهم مثل حسني مبارك، ويضيف بأن القيادة الليبية قررت مشاركة القذافي في القمة العربية لأجل اسقاط القرار إعلامياً وقانونياً، ويشير إلى أن القذافي مزق قرار الجامعة العربية لدعم الكويت تعبيراً عن قرار الأمة وقواها الحية.
سجل جلود مسببات خلافاته مع القذافي، الذي استأثر بالسلطة عن طريق اللجان الثورية وممارساتها السلطوية والقمعية، وهي أبرز آليات القذافي في استحواذه للسلطة، كما دخل القذافي في مساومات مع بعض الدول لتتركه يتصرف ويعطيها ما تريد، مع تحول الثورة من الصدق الثوري إلى أسلوب الدجل والنفاق وحكم الأجهزة، ويشير إلى مصير زميله الثوري عمر المحيشي الذي حاول الانقلاب على القذافي ففشل وهرب إلى المغرب، ودخل القذافي في مساومات منها وقف تدخلاته لمصلحة البوليسارو، حركة تحرير الصحراء الغربية، مقابل تسليم عمر الميحشي الذي وصل فاقداً للوعي ومخدراً، وأعدم وتعرض للتشويه.
ويتحدث عن الخوف الذي سيطر على القذافي من تهديدات الولايات المتحدة، التي لن تسمح له بتحقيق أهدافه، لذلك كان يقول (إن الاعتراف بإسرائيل يحقق للقذافي توحيد الدول الثورية العربية).
تنتهي المذكرات بفصل عن نهاية القذافي ونظامه وضياع الأحلام وانكسار الاقتحامية الثورية، ويفضل جلود العيش في إيطاليا، بعد الفشل الكبير لثورة الفاتح من سبتمبر.
والسؤال، كيف بقي هذا النظام الهدام أربعين سنة يحكم فيها الشعب الليبي وفق ما يريد؟
*نقلا عن القبس