الحالة الكويتية.. والخلطة العسرة
استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي
واقع الكويت يؤكد بإجماع الاجتهادات أن كويت الماضي أسرع في قراراتها من حاضرها وأكثرها حصاداً، ومن تلك الحيوية القديمة جاء الإبداع فناً وثقافة وتطوراً معمارياً، وأكثر ثباتاً سياسياً، وأقوى صوتاً إقليمياً، وجاءت هذه الحالة اللامعة من مبادرات وصلت آثارها إلى إقليم الخليج جنوباً وإلى عالم العرب شمالاً، لا سيما أن الاعتدال المثمر في كل من السياسة والاقتصاد كان الصوت المميز لدبلوماسيتها، فلا داعي للدخول في المقارنة بين مسيرة الكويت الحالية ومسار دول مجلس التعاون الأخرى، التي وضعت خططاً للتنمية تؤدي إلى تنويع مصادر الدخل وتخفف من قيود الاعتماد على مصدر وحيد للدخل، واندفعت في تنفيذها بحزم وإيمان.
فالمتابع لما تطرحه المملكة العربية السعودية من مشاريع لا يملك إلا الإعجاب بهذه الديناميكية التي تتحرك بعلم بأثقال التكلفة ومتقبلة الأعباء بقناعة بأن الغد واعد بتحقيق الطموحات.
والحقيقة أن هناك مسببات واضحة لبطء المسيرة الكويتية، فهناك خلط بين مفهوم الديموقراطية كما تطبقها الدول الغربية وما يوفره دستور الكويت الذي يختلف جوهرياً في تركيبته عن دساتير أوروبا، وهو وثيقة تترجم وضع الكويت في هذا الإقليم المضطرب.
وربما من المناسب أن أشير إلى راعي الدستور الشيخ عبدالله السالم أمير الكويت (1950 - 1965) الذي اقتنع بأن الكويت ستتعرض لاضطهاد إقليمي وقف على طبيعته من خلال اتصالاته مع حكام العراق في آخر أيام الملكية وبداية عصر عبدالكريم قاسم.
كان الشيخ عبدالله السالم يميل إلى علاقات طبيعية مع جميع الدول العربية، وأن تتميز العلاقات السعودية - الكويتية بالتواصل الحميمي لأنها عمود أساسي لاستقرار الكويت، وفوق ذلك أن تحافظ الكويت على علاقات مميزة مع الدول الكبرى.
لم يتأثر الشيخ عبدالله السالم بالمد الجماهيري المناصر للثورات، مع قلق كان يحمله حول مستقبل الكويت وتعاملها مع مؤشرات الاضطهاد الإقليمي.
جاء الدستور وصفة آمن بها الشيخ عبدالله السالم المتابع لمشاكل الإقليم، جوهرها الحشد الجماعي لشعب الكويت للحفاظ على الهوية التاريخية الكويتية، متيقناً بأن أبناء الكويت بكل تنوعاتهم وطوائفهم يشكلون الجدار الصلب لإفشال الطموحات الإقليمية.
خرج الدستور الكويتي من بطن هذا الإيمان كآلية الحشد الجماعي، المعبر عن الالتزام الثابت بالسيادة واحترام الشرعية التاريخية المتوارثة.
والواضح من معاني المفردات التي كان يعبر عنها أمير الكويت الشيخ عبدالله السالم في افتتاح دورات البرلمان قوة الدعوة للوحدة الوطنية، مع توسل الحكمة وتبني الاعتدال، وكلها تصب قوة في كيان الكويت وسيادتها..
ومن هذا الواقع الذي عاش فيه أمير الكويت، خرج الدستور يعطي حرية القول ويقدس كرامة الإنسان ويتقبل التجمعات النيابية حاملة غيرتها على الوطن، مع إيمان بأن السلوك داخل البرلمان ملتزم حدود الفضاء الذي يمنحه الدستور للأعضاء، فلا يوجد في الدستور ما يوحي بتبادل السلطة مثل الطريقة الأوروبية وباستبدال المعارضة بالحكومة، أو بما تفرزه الانتخابات.
وفوق ذلك، لا مكان للمعارضة الجافة، لأن منابع وثيقة الدستور خرجت من تأييد شعبي جماعي، حيث سارت الكويت في المرحلة الأولى من الحياة البرلمانية، بوعي تام بهذه الحقيقة، وحرص مثالي على السير وفق قواعدها.
لكن مع الانفتاح في حق التعبير والاجتهادات، تباعدت الآراء واختلفت التفسيرات وتحولت التجمعات البرلمانية إلى مواقف لها قناعاتها في المحاسبة والتدقيق بإصرار على تثبيت خطوط للعمل البرلماني مختلفة عن تفسيرات السلطة التنفيذية، ومن هذا التباين غاب الإجماع الذي من دونه لا يمكن أن تتحقق المصادقة على مختلف المقترحات والخطط التي تعرضها الحكومة، وتسيد الجمود معظم الخطط وتعثرت مسيرة الكويت وأهملت الأولويات.
دستور الكويت وثيقة إجماع، الخروج عنها يفتح أبواب التعثر ويضعف الوقفة الجماهيرية الصلبة، وتتأكد فاعلية الدستور عند التضامن بين السلطتين، فحيوية الدستور كلها مرتبطة بوحدة المواقف بين الطرفين، فلا مكان لصوت الأغلبية في الدستور الكويتي، وإنما تبرز قوة الكويت ووحدتها عند التضامن والتوحد بين السلطتين.
جاء التعطيل بسبب غياب الوحدة بين الجانبين، ولن يدب الحماس في الجسد الكويتي في غياب هذه الوحدة، والواضح أيضاً أن هناك استحالة للتعديل أو الاستبدال أو الإضافة إلى وثيقة الدستور الحالية، ومن هذا الوضع يبرز الدور المؤثر لرئيس المجلس، الذي يستمد قوته من القيمة المعنوية التي توفرها له رئاسة المجلس، مع إجراء مشاورات مع مختلف المشارب والاجتهادات، مع التوضيح أن العجز عن التفاهم معناه سيطرة الشلل والجمود على أحوال الكويت.
لا توجد حكومة برلمانية في العالم تستطيع أن تتقدم من دون موافقة برلمانها، وحل هذه العقدة يأتي من أحزاب تتآلف أو انتخابات يفوز فيها حزب معين، بينما في الكويت الدستور لا يبيح ولا يسمح بالأحزاب ولا تتقبل أوضاعها الداخلية صراع الأحزاب لأنها تفتت الوحدة الداخلية التي تبقى العمود الصلب لسلامة الوطن.
ومن هذا الواقع لن تتحرك الكويت نحو التجديد والإنجاز من دون التوافق البرلماني الذي يشمل الطرفين، فلا مكان لتغيير أو إضافات دستورية، ومن دون شك فإن الإخوة في الخليج يراقبون ويحللون ويبتعدون عن محاكاة الكويت في تركيبتها السياسية، متابعين جمودها الدائم.
وبكل وضوح، لا بد أن تضع الكويت وصفة تخرجها من التأخر في مجالات التنمية والتطور، ومن أين سيأتي العلاج إذا لم يتوافر الدعم الشعبي لأية خطوة قد تبرز في الأفق؟
ولا ننكر أن هذه الحالة المتسيدة لواقع الكويت قد تسبب المزيد من الاسترخاء الوظيفي بفضل البيروقراطية المتراكمة وغياب الحزم وضياع الجهد..
ونتوقف عند النوايا الطيبة التي ترافق كلمات سمو رئيس الوزراء، مستذكرين أداء من سبقه في إبراز حسن النوايا التي لم تنجح في الوصول إلى شبه اتفاق بين السلطتين حول جداول الأعمال البرلمانية، وسيكتشف رئيس الوزراء الحالي أثقال الوصول إلى تفاهم مع الجانب البرلماني الذي يريد دوراً مميزاً في توجيه مسار الكويت المستقبلي.
يتواجد الحل المناسب لأزمة الكويت في لقاء السلطتين، ومن دون ذلك سيتواصل الجمود والتخلف مع انتظار احتمالات المفاجآت التي يحملها موكب التاريخ، فلا يمكن أن تقع الكويت أسيرة دائمة للجمود.
دول الخليج تتطور وتجدد وتحقق مفاجآت رأيت بعضها في قطر، مع أن هذه الدول توفر لشعوبها حقوقها المدنية من دون الاقتراب من أبواب السياسة المزعجة، بينما الكويت تفتح الأبواب للحقوق السياسية للمواطن، تتمثل في برلمان وانتخابات وفصل للسلطات، ومع كل هذه المباهج تتعثر في سيرها وتفقد الكثير من وهجها، وتتأخر في برامجها، وتضيع منها فرص الإنجاز.
نقلاً عن "القبس"