لولا ستر الله!
كأن لبنان براميل بارود، قشة كبريت قد تولع أحدها أو بعضها أو ربما كلها دفعة واحدة، بلد "واصلة معه لمناخيره" كما يقول المثل الشعبي تعبيراً عن قرب الانفجار من الغضب والقهر والزعل. البيت "واقف على صوص ونقطة" وأي دفشة قد تهد السقف على الجميع، وفي جو الواقع المرير الذي يعيشه البلد على المستويات كافة، ما زال هناك من لا يرى ولا يشعر، أو بالأحرى لا يريد أن يرى أو يشعر... أو يرعوي.
قبل أيام "ولعت" حرب بقيت كلامية على مواقع التواصل الاجتماعي، بسبب كلام قيل على تلفزيون "الجديد" في برنامج ساخر رأى فيه كثيرون تطاولاً سافراً وغير أخلاقي على نساء الجنوب (الشيعيات) عموماً، وعلى بيئة المقاومة، واستدعى ردوداً عنيفة وحملة من السب والشتم والتعريض بلغت حد العنصرية على ألسنة بعض الغاضبين من أبناء الجنوب. وربما كان على اللبنانيين أن يشكروا ربهم كثيراً لأن الكوميدية الساخرة هي جنوبية شيعية، وأن مسؤولة القناة مثلها، وأن صاحبة البرنامج سودانية الأصل لا قبيلة لبنانية لها، وأن مالك المحطة السنّي ليس له غطاء ولا عصبية مذهبية، وإلا لكانت ولعت حرب عالمية ثالثة.
ليس المقام هنا للحديث عن البرنامج المعني بذاته، ولا عمّا أثاره، ولا لاتخاذ موقف من هذه الجهة أو تلك، فقد كفّتا ووفّتا. الحدث سيمر وسيُنسى بعد أيام ليأتي حدث آخر يسحب الاهتمام منه، وسيكون كل من أراد الإدلاء بدلوه قد فعل، ينتهي الأمر باعتذارات واتصالات وتفاهمات كما جرت العادة. بعض النقاش الجدي في الموضوع لن يقدم ولن يؤخر، فليست هي المرة الأولى التي ينتفض فيها الشارع على برنامج أو نكتة أو صورة كاريكاتورية أو حتى على موقف سياسي. الإعلام في لبنان جزء من المشهد الحزبي والطائفي والاجتماعي، فاعلاً ومفعولاً به.
لكن الموضوع يعيد طرح السؤال المكرر عشرات، لا بل مئات المرات، عن مضمون الإعلام اللبناني التلفزيوني خصوصاً، ووظيفته وجدواه وتمويله وأخلاقيته والتزامه، والقانون والمواثيق التي تحكمه. لا شك في أن هناك مشكلة كبيرة في هذا الإعلام، وهي مشكلة بنيوية زادتها الأزمة الاقتصادية حدة. وهذه الأزمة تستمد نارها من مجموعة من المحددات التي هي نفسها محددات الأزمة الطاحنة التي يمر بها البلد على مستوى الانسداد السياسي المدمر، وعلى مستوى الوضع الاقتصادي المتدهور، وعلى مستوى الوضع القيمي والأخلاقي المنهار.
ليس سراً أن الإعلام في لبنان (أو معظمه الأكبر)، لا سيما التلفزيوني منه، هو عموماً إعلام طائفي تابع للطوائف، يحكي باسمها ويدافع عن مصالحها ويبرز محاسنها وإنجازاتها ويعادي أعداءها ويسفّه خصومها. وفي كل ذلك يراعي هذا الإعلام أصحاب المال والنفوذ والمموّلين الأسخياء (حتى لو كان هذا السخاء من مال الدولة والشعب).
وهو أيضاً إعلام قادر على التفلت من القانون ومواثيق الشرف (رغم الاستثناءات)، فكلما ضعفت السلطة المركزية طغت سلطة الإعلام وسيطرته. التلفزيونات قوية بما فيه الكفاية بحكم احتكامها إلى الحرية والغواية، وبحكم هزالة السلطات المركزية التي فقدت هيبتها وقوتها الأخلاقية. فكيف لسلطة فاشلة أن تحاسب الإعلام أو غير الإعلام إذا أخطأ؟ كيف لقضاء أن يحاسب وهو غارق في صراعاته الداخلية وفي أزمة احتوائه من السياسيين واستعراضات بعض أركانه؟ وكيف لوزارة إعلام أن تتدخل وهي لا تملك سلطة إلا بالحد الأدنى؟ وكيف لمجلس وطني للإعلام أن يحسم وهو قد شاخ وهرم وبات عمله يقتصر على منح بعض التصاريح لإنشاء مواقع إلكترونية لكل ما هب ودب، وفي الأصل دوره استشاري؟
والأدهى من كل ذلك أنه إعلام مهجوس بالرايتنغ والمنافسة على استقطاب الجمهور بأي طريقة. فما أكثر برامج التفاهة والسخافة والتحريض. مواضيع لا تقدم ولا تؤخر، لا فائدة منها لا في الدنيا ولا في الآخرة. صحافيون هواة وغير مختصين يخوضون في قضايا الدين والخلافات بين الأديان، ويعالجون قضايا سياسية واجتماعية خلافية عميقة، ويطرحون قضايا أكبر منهم، كل منها يمكن ان تشعل حربا اهلية، بمنتهى السطحية والإسفاف، يعاونهم معدّون "لم تفقس البيضة عنهم". مراسلون ومراسلات لا يقدرون دقة اللحظة ومفعول الكلمات وفعلها فيرمونها جزافا بحثا عن اثارة وتشويق، وربما عن فتنة. إنه إعلام الإثارة والغرائز. إعلام الجهل واللامسؤولية.
في وظيفة الإعلام أنه قائد. صانع رأي، يقطر المجتمع إلى الأمام، وليس ثقلاً يشده إلى الوراء. التسلية مهمة ومطلوبة، لكن الأخلاق أولاً. الوطن قبل الطوائف وقبل الزعيم وقبل المصرف وقبل الرايتنغ وقبل الإعلان.
من كان على غير هذه المواصفات ليس معنياً طبعاً بما ورد. هناك دوماً من يستحقون التقدير.
نقلا عن "النهار"