المواجهة الفكرية

عمرو الشوبكي
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط

على خلاف تنظيمات أخرى متشددة كثيرة عرفها العالمان العربى والإسلامى فإن وزن الجانب العقائدى الحاكم لكثير من خيارات حركة طالبان أكبر من الجانب السياسى، وهو ما يستدعى ضرورة الاشتباك مع هذا النمط من التفكير الطالبانى الخارج عن صحيح الدين.

صحيح أن حركة طالبان هى جزء من إشكالية أكبر عرفها العالمان العربى والإسلامى، وتتمثل فى دخول تنظيمات دينية المجال السياسى بشروط الجماعة الدينية، مثلما شهدنا مؤخرًا مع كثير من التنظيمات الدينية فى العراق، وحزب الله فى لبنان، وجماعة الإخوان المسلمين فى مصر، وهى كلها جماعات دينية رغم ما بينها من فروقات عقائدية ومذهبية إلا أنه ينطبق عليها نفس القاعدة، وهى «تداخل الدينى والسياسى».

والحقيقة أن فكرة التنظيم الدينى النقى والمحصن، الذى يَعِد أنصاره بمجتمع مثالى على الأرض وجنة فى السماء، وفى سبيل ذلك يرفض محاسبته أو نقده باعتباره ظل الله فى الأرض فشلت، وكانت نتائجها كارثية على كل المجتمعات فى الشرق والغرب.

إن أزمة حكم هذه التنظيمات الدينية لا تقتصر فقط على محاولة هندسة حياة الناس والتدخل فى ملبسهم ومأكلهم والتمييز ضد المرأة والأقليات، وكراهية الفن والإبداع، إنما أيضًا القهر السياسى والفشل الاقتصادى، لأن إقامة نظام حكم قائم على «الحصانة» باسم الدين أو بأى اسم آخر تعنى رفض كل صور التنوع والنقد.

ولذا فرغم الضغوط التى مُورست على أفغانستان طوال العامين الماضيين من أجل مراجعة مواقفها العقائدية، خاصة فيما يتعلق بحقوق المرأة، لم تصل بعد لنتيجة بل تراجعت الحركة عما سبق أن وعدت به فور وصولها للسلطة بأنها ستسمح للنساء بالتعلم، وهو يرجع لكونها تنطلق من تفسير دينى غير صحيح، ويمكن دحضه بسهوله بأطروحة فكرية وعقائدية مقابلة.

ويمكن القول إن دفع حركة طالبان لمراجعة توجهاتها على المستوى العقائدى سيحتاج لضغوط مؤسسات إسلامية كبرى تعبر عن الإسلام الوسطى، وعلى رأسها الأزهر الشريف، الذى رفض قرار طالبان الخاص بمنع تعليم الفتيات، وأعلن شيخ الأزهر الإمام أحمد الطيب «أن قرار طالبان بمنع النساء الأفغانيات من التعليم الجامعى يتعارض مع الشريعة الإسلامية».

وأوضح أن الشريعة تدعو الرجال والنساء إلى السعى وراء التعليم «من المهد إلى اللحد». ووصف الحظر بأنه صادم للمسلمين وغير المسلمين، وما كان ينبغى ولا يليق أن يصدر عن أى مسلم، فضلًا عن أن يتمسَّك به ويزهو بإصداره. وحث قادة طالبان على التراجع عن القرار.

مطلوب من الأزهر ومجلس حكماء المسلمين أن يتواصلوا مع شيوخ طالبان ومن يفتون لها فى أمور بعيدة تمامًا عن صحيح الدين، وأن يشكلوا نواة لتصحيح مفاهيم الحركة الدينية ومنطلقاتها العقائدية، وفى حال النجاح فإن ذلك سيعنى بالحتم تغيير كثير من مواقف طالبان فى أمور الدين والدنيا.

نقلا عن المصري اليوم

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة
  • وضع القراءة
    100% حجم الخط