لعبة التحول من عوام إلى صحويين
استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي
أي مشكلة لا يمكن أن نفهمها بشكل صحيح إلا إذا حددنا المفاهيم المؤثرة في المقدمات فبعض الناس ينطلق من المقدمات للنتائج وهذا ممكن لو افترضنا أننا نتوجه لمتلقٍ نوعي أما إذا كان المتلقي من فئة قراء الصحف وهو ما يمكن أن نطلق عليه المتلقي المتوسط النوعية، أو دون المتوسط فيجب في هذه الحالة أن نحدد المفاهيم أولا ثم نوجد من خلالها المقدمات ثم نتائجها.
لهذا يجب أن نحدد الصحوة وما علاقة المصطلح بالواقع لا شك أن مصطلح الصحوة غير محايد دلاليا فهو مفردة مدح وثناء تحيل إلى اليقظة والوعي والرشد وتناقض السكر والنوم والغفلة، وهي مفردات تحيل إلى غياب العقل وتعطيله بحيث يصبح عاجزا ومتبلدا جاء في لسان العرب مادة ((صحا))
(( ... والصَّحْوُ: ذَهابُ السُّكْرِ وتَرْكُ الصِّبا والباطلِ. يُقَالُ: صَحَا قلبهُ. وصَحا السكرانُ مِنْ سُكْرِه يَصْحُو صَحْواً وصُحُوّاً، فَهُوَ صاحٍ، وأَصْحَى: ذَهَب سُكْرُه،
... وَالْعَرَبُ تَقُولُ: ذَهَبَ بَيْنَ الصَّحْوِ والسَّكْرَةِ أَي بَيْنَ أَنْ يَعْقِلَ وَلَا يَعْقِلَ...)).
فمصطلح (الصحو) هو دلالياً يحيل في اللاوعي إلى المدح والتعاطف والهداية وعلى هذا الأساس استعمل كبديل عن مصطلح ((العامة)) والذي يمثل الطيش والنزق والجهل.
ولا يحيل بالضرورة إلى الحقيقة والصدق وقد عقد ابن الجوزي بابا في كتاب تلبيس إبليس ذكر فيه مشاكل العامة ((الباب الثاني عشر في ذكر تلبيس إبليس على العوام)).
ففي عموم الأدبيات اللغوية والفقهية والتاريخية والأدبية سنجد ذكر العوام يرد غالبا في سياق النقد والعتب والتصحيح، حتى إن الجاحظ كان دائم الاعتذار في حال إيراده شيئا من كلام العامة أو عباراتهم أو طرائفهم بلهجتهم غير الفصيحة.
كما هو حادث في كتاب البخلاء وغيره من كتب الجاحظ، وكتب الغريب مثل كتاب لسان العرب لابن منظور ،أو يرد ذكر العامة في سياق النقد والتبكيت في كتب الفتاوى والكتب التي عنيت بذكر البدع والمحدثات مثل كتاب ((المحدثات والبدع)) لأبي بكر الطرطوشي (ولد تقريبا في عام 451 هجرية الموافق 1059م وتوفي في 520 هجرية الموافق 1126م).
المهم أن هناك شبه اتفاق واضح يستنكر سلوك العامة وثقافتهم نجد ذلك بكثرة في كتب التاريخ خصوصا مثل حالات الشغب وصور الاعتراض الديني والاجتماعي والسياسي. وقد ألف في العامة وسلوكهم عدة كتب ذكر بعضها أبو إسحاق ابن النديم في كتاب الفهرست وسأتناول هنا مثالا واحدا وهو الموقف من ممارساتها اللغوية منها:
كتاب ((ما تلحن فيه العامة)) لأحمد بن حاتم
كتاب ((ما يلحن فيه العامة)) للمازني بكر بن محمد
كتاب ((ما يلحن فيه العامة)) أبي حاتم السجستاني سهل بن محمد
كتاب ((ما يلحن فيه العامة)) أبو حنيفة الدينوري أحمد بن داود
كتاب ((ما تلحن فيه العامة )) أبو الهندام واسمه كلاب بن حمزة
كتاب ((ما تلحن فيه العامة)) أبو عبيدة معمر بن المثنى التيمي
وألف في هذا الباب
ابن هانئ: محمد بن علي السبتي.
وابي بكر: محمد بن الحسن الزبيدي، الإشبيلي.
وابن هشام، محمد بن أحمد اللخمي.
وغيرهم كثير من المحدثين والمتأخرين
هذا ذكرته هنا للدلالة على مثال من مواقف النخبة المهتمة باللغة والأدب من العامة وقس على ذلك ما ورد في كتب التاريخ من سخط على العامة وحراكهم هذا النوع من العامة هو الذي سوف يتحول في حقبة الستينات إلى كيان أطلق عليه ( شباب الصحوة) اعترفت نخب من جماعات الإسلام السياسي باعتباره كيانا فاعلا من الممكن الاعتماد عليه لتحقيق مشروع التمكن ومن ثمة التمكين في مفاصل الدولة.