الثورة.. المؤامرة

حلمي النمنم
حلمي النمنم
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط

استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي

0:00
8 دقائق للقراءة

كما هى العادة فى التاريخ الإنسانى كله وتاريخنا المصرى، جرى الخلاف حول ثورة 25 يناير 2011، ومازال الخلاف قائمًا إلى يومنا هذا. الدستور الحالى ينص فى ديباجته الأولى على أنها ثورة، لكن هناك مَن يُشكِّكون فى ذلك ومَن يرفضونه قطعيًّا. الذين يُشكِّكون يعتمدون تدقيق المصطلحات والمعانى، هؤلاء يعتمدون على القواميس والمعاجم السياسية، راحوا يميزون بين الثورة والانتفاضة والهَبّة الجماهيرية، البعض استعمل تعبير «الهوجة»، وعندهم أنها هَبّة، ونكون كرماء لو سميناها انتفاضة، الثورة لدى هؤلاء تعنى أفكارًا وفلسفات كبرى، تُحرك التاريخ والعقل الإنسانى، على غرار الثورة الأمريكية والثورة الفرنسية والثورة الروسية، أفكار تهز المجتمع، وتُزلزل الدولة ذاتها وليس فقط نظام الحكم، تُزيح طبقات بأكملها، وتعنى كذلك إسالة أنهار من الدماء ومشانق تُنصب وإعدامات جماعية.

الشواهد التاريخية فى الثورات، منذ ثورة العبيد فى روما، ثورة سبارتاكوس، وكذلك ثورة الزنج فى العراق وما حولها فى العصر العباسى وصولًا إلى ثورة لينين، فى تلك الثورات كان يمكن أن تُباد مجموعات بشرية بأكملها، مدن تُهدم على مَن فيها، عشرة آلاف قتيل يُعد رقمًا متواضعًا، ولذا فإن أصحاب «الأصولية الثورية»- إذا صحت التسمية- لا يمانعون فى أى عنف أو قتل، حتى لو مس الآلاف، ويسخرون بشدة من أى حديث عن السلمية أو تجنب إراقة الدماء.

الذين يرفضون تسمية ما جرى واعتباره ثورة مغامرون بمخالفة الدستور، يضعون كل ما حدث فى خانة المؤامرة الكبرى، مؤامرة كونية أو دولية أكثر منها مؤامرة محلية، ويختلف هؤلاء فى هدف المؤامرة، هناك مَن يحصره فى رغبة التخلص من الرئيس مبارك، الذى لم تعد الإدارة الأمريكية تحبه، تحديدًا منذ سنة ٢٠٠٥، من أيام كونداليزا رايس، ولذا قام الأمريكان بتدريب وتجهيز العملاء فى صربيا وغيرها، ويعودون ليشعلوا النار فى كل شىء، ويسقط مبارك تلقائيًّا، وعند هؤلاء جرى «اختراع».. «اختلاق» قضية التوريث، وهى عندهم مسألة كاذبة تمامًا- رغم أن الكثير من الشواهد تؤكد أنها كانت قيد التحقق- لينْفَضَّ المصريون عن الرئيس مبارك، وهناك مَن يسير مع هذا التصور فيما عدا الهدف النهائى، إذ يذهبون إلى أن الإطاحة بالرئيس لم تكن الهدف النهائى، لم يكن لدى مَن وقفوا خلف المؤامرة أزمة كبيرة فى أن يستمر مبارك بعض الوقت لأن الهدف الأكبر كان إسقاط مصر نهائيًّا، وإخراجها من المعادلة الدولية والإقليمية، وتعود مجرد تابع أو ولاية على غرار ما كان الحال قبل سنة 1922، وصدور تصريح 28 فبراير.

هذه الأفكار لم تعد لدى أصحابها مجرد آراء أو اجتهادات يمكن نقضها أو مناقشتها وتقبل الصواب والخطأ، بل صارت أقرب إلى العقيدة الوطنية والسياسية، العقائد لا تحتمل النقاش ولا تطيق الجدل، لا تقبل غير الإيمان أو الكفر.

طبعًا هناك المضارون من الثورة، وهم كثر، وشخصيات ليست هيِّنة، صحفيون وأساتذة جامعة ورجال أعمال كبار، شخصيات عامة، فضلًا عن مجموعات «عبده مشتاق»، الذين تصوروا أنهم باتوا قاب قوسين مما يريدون، أناس توقف بهم الطريق، وما استطاعوا أن يتكيفوا مع الوضع الجديد. وهناك مَن اعتُبروا، منذ اللحظة الأولى، أعداء، وأُهينوا كثيرًا دون مبرر، ولا كانت هناك ضرورة لذلك، وهناك مَن قُدموا للمحاكمة، هناك أيضًا مَن أفادتهم الثورة، تحققت آراؤهم، وتبددت مخاوفهم من نظام مبارك، وهناك مَن صعدوا بسرعة، حتى لو كانت إمكانياتهم وقدراتهم أقل من أن تؤهلهم إلى ذلك. وعمومًا هذا كله وأكثر منه يحدث فى مثل هذه التحولات العنيفة، ويظهر النبلاء الذين لا يبخلون حتى بحياتهم عن بلدهم.. وطنهم ومجتمعهم، بغض النظر عن أى عائد، فى تلك الفترات يظهر كذلك الأوغاد.. انتهازيون، يُجيدون غسل أسمائهم وتواريخهم، يختلقون أشياء كثيرة، ويُزوِّرون أحداثًا ووقائع، كل هؤلاء رأيناهم، وكانوا موجودين دائمًا فى كل ثورة ومع كل تحول عنيف سياسيًّا واقتصاديًّا واجتماعيًّا.

ولن نتوقف- هنا- أمام مجاريح الثورة وضحاياها ولا أمام مَن تكسّبوا منها أو أفادتهم لأن الحدث أكبر وأجَلّ من ذلك بكثير، ومن أسف أن يتم تسطيحه وتشويهه بفضل بعض السُّذّج من المؤيدين والموتورين من الكارهين.

العودة إلى الوقائع يمكن أن تفك بعض الألغاز والعقد، قامت مظاهرات يوم ٢٥ يناير ٢٠١١، بإذن وموافقة وزارة الداخلية، قبلها بأيام، أدلى الرئيس مبارك بحديث إلى مجلة القوات المسلحة، جاء فيه أنه وافق على التظاهر، استنادًا إلى قاعدة حق التظاهر، وقال أيضًا إن مصر ليست تونس، نُشر الحديث، وتم بثه بصوت الرئيس، كان الرئيس التونسى زين العابدين بن على قد غادر البلاد، وتم خلعه، إثر مظاهرات حاشدة فى تونس، وسارع البعض إلى التساؤل: هل يمتد الأمر إلينا؟. سارع الرئيس وأساطين النظام إلى الهتاف والإلحاح بأن مصر ليست تونس. وبدا أنهم يريدون أن يسمع العالم الخارجى ذلك، وأن رئاسة الدولة لا تشعر بأى قلق، ثم أن يقتنع المواطن المصرى بذلك، ويثق فى أن ما جرى هناك ليس من الوارد أن يقع هنا، ولا يستجيبوا لنداءات النزول؛ وكان هتافًا خاطئًا تمامًا لعدة أسباب.

سبب تاريخى اسمه التلازم السياسى والحضارى بين مصر وتونس. فى القرن التاسع عشر هناك عدة أمور مثل بعض إجراءات الحداثة التى أقدم عليها محمد على هنا، كان هناك شبيه لها فى تونس، يمكن أن نقرأ ذلك بوضوح فى رائعة رفاعة الطهطاوى «تخليص الإبريز فى تلخيص باريز»، وكتاب المؤرخ التونسى أحمد بن أبى الضياف «إتحاف الزمان بأخبار ملوك تونس وعهد الأمان».

فى زمن الخديو إسماعيل والباى فى تونس، جرَت عدة أمور فى توقيتات متقاربة جدًّا، وهى إلغاء الرق والعبودية، وضع أول دستور أو ما يمكن اعتباره كذلك، وثيقة تُقنِّن الحكم، وتحدد طبيعة الدولة، تأسيس أول مجلس نيابى أو نواة لمجلس نيابى حديث، ولم يكن غريبًا فى ظل زعامة عبدالناصر الكاسحة عربيًّا أن يكون هناك مشروع سياسى متكامل مخالف للمشروع الناصرى وأكثر حداثة منه، خاصة ما يتعلق بالمرأة وحقوقها، كان فى تونس، مع الرئيس الحبيب بورقيبة، بعض العرب الذين تفرغوا لكراهية عبدالناصر والتحريض عليه وربما التآمر المباشر، لكن تونس قدمت مشروعًا بديلًا، والآن حين يعود الدارس إلى تلك الحقبة يتوقف أمام الناصرية والبورقيبية، بعد ذلك يقول المرحوم حسنى مبارك ورجله الأثير صفوت الشريف لسنا مثل تونس!؛ كلا وألف كلا.

بخلاف التلازم التاريخى والسياسى، هناك بُعد آخر يتعلق بنا- نحن- كمصريين، نشعر أننا الرواد فى المنطقة، وكنا الأسبق فى بناء الدولة الوطنية الحديثة ومؤسساتها، ولذا قد يزعج البعض أن يسبقنا أحد. بعد سقوط الرئيس التونسى زين العابدين، سمعتها كثيرًا من أناس كانوا قريبين جدًّا جدًّا من النظام ومن خارجه أيضًا: «معقول.. التوانسة سبقونا».

هناك ثالثًا الاحتقان السياسى داخليًّا، والذى وصل إلى حدود الخطر الشديد مع انتخابات مجلس الشعب سنة ٢٠١٠، ولا أعرف كيف فات مبارك المسكون بالأمن أولئك الذين تم إقصاؤهم بالتزوير عن المجلس وقال عنهم: «خليهم يتسلوا»، فى حين أن المشهد كان تكرارًا مع الفارق لما فعله الرئيس السادات فى سبتمبر ١٩٨١، ليس بالتحفظ ولا بالاعتقال- لم يفعلها مبارك- ولكن أتاح للمعارضة كلها أن تقف ضد النظام فى خندق واحد، وهو أمر يهدد سلامة النظام والرئيس شخصيًّا، يُضاف إلى ذلك أن إدارة الانتخابات تُركت لشاب من خارج مؤسسات الدولة، كان مُقرَّبًا من نجل الرئيس، هذا الشاب أهان بعض مؤسسات الدولة، التى كانت قد رتبت أمور الانتخابات على نحو آخر، أقل فسادًا وتزويرًا، ويُرضى جميع الأطراف. وامتدت المضايقة، حتى إلى قيادات الحزب الوطنى- الحاكم- نفسه. فى أكتوبر الماضى، قدم د. محمد عبداللاه، رئيس جامعة الإسكندرية السابق، القيادى البارز بالحزب الوطنى، شهادة مهمة حول تلك الانتخابات، فى حوار له على قناة «صدى البلد»، مع النائب، الإعلامى، الأستاذ مصطفى بكرى، قال إنه شعر أن الأمور تسير نحو الأسوأ، والتزوير فج وتعمد لإقصاء أصوات وطنية، وأن ذلك سوف يقود فى النهاية إلى الفوضى. رئيس جامعة الإسكندرية السابق هو أحد مؤسِّسى الحزب الوطنى، وعاش مأساة اغتيال الرئيس السادات وهو يحبه، وكان السادات يعتز به، ويعده ابنًا له، ذهب الرجل بمخاوفه كحزبى ملتزم إلى أمين عام الحزب ينقل إليه ما يراه على أرض الواقع وما يتخوف منه، فجاءه الرد صادمًا: «سيبهم يغلطوا، والناس تقوم عليهم، فنخلص منهم».

كان النظام على هذا النحو من التفتت الداخلى، كان على وشك الانفجار من داخله، وبعد كل ذلك قالوا: «مصر ليست تونس». ولما حاول أمين عام جامعة الدول العربية، عمرو موسى، فى اجتماع عام بالجامعة، التنبيه والتحذير من الاستقرار الهانئ على وسادة أننا لسنا تونس، تم التسخيف مما قال. تجاهلوا خبرة الرجل وإلمامه بالوضع الدولى، لم يهتم أحد بأن يسمع ما لديه، كما تجاهلوا معطيات التاريخ والجغرافيا.

* نقلا عن "المصري اليوم"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط