ما يُمكن أن تفعله مصر إزاء سوريا

ياسر عبد العزيز
ياسر عبد العزيز
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط

استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي

0:00
4 دقائق للقراءة

فى أعقاب وقوع الزلزال المدمر فى سوريا، طرأت تغيرات على العلاقات التى تربط هذا البلد الشقيق بعدد من الدول المؤثرة، حتى إن البعض تحدث عن إمكانية تطوير العلاقات مع النظام السورى انطلاقاً من المواقف التضامنية التى أبدتها بعض العواصم حيال دمشق فى أتون تلك الأزمة المأساوية.

لقد أدت هذه الأزمة إلى تغير فارق فى الطريقة التى تتعاطى بها دول عربية وأجنبية مع دمشق، وهو أمر لم يقتصر على إرسال المساعدات الإنسانية فقط، لكنه تضمن كذلك اتصالات نادرة، وزيارات لم تقع منذ أكثر من عقد، وتصريحات عن الحاجة إلى «مقاربة جديدة» للملف السورى.

والشاهد أن كثيراً من المواقف الدولية التى تشكلت، وتتشكل، إلى جانب نظام الرئيس بشار أو ضده ليست بالضرورة مواقف مبدئية كما يظن البعض، لكنها مواقف محكومة بحسابات دقيقة للمصالح السياسية، وهى حسابات متغيرة بطبيعة الحال.

يرى منتقدو الرئيس بشار الأسد أنه ليس رئيساً ديمقراطياً، وكان الجميع يعلم أنه ورث السلطة عن والده، ضارباً عرض الحائط بمقتضيات الحكم الجمهورى.

ومع ذلك، فقد كانت مقتضيات المصلحة السياسية تقود هذه الدول إلى إقامة علاقات متوازنة، وأحياناً جيدة، مع النظام السورى، وهو الأمر الذى تغير بوضوح بعد اندلاع الانتفاضة فى سوريا فى 2011.

ورغم أن السياسة الخارجية المصرية لا تخلو من أخطاء وقصور بطبيعة الحال، كغيرها من البلدان، وهى كامتداد للسياسة الداخلية للبلاد، لا شك تأثرت بالاختلالات العميقة والحادة التى وقعت منذ اندلاع انتفاضة 25 يناير 2011، فإن الموقف المصرى إزاء سوريا، وحكومتها، يبدو أحد أكثر المواقف اتساقاً.

فرغم أن مصر تعد جزءاً من تحالف سياسى عربى محورى يضم عدداً من الدول العربية المعتدلة، فإنها اتخذت موقفاً حيال سوريا مختلفاً، وربما دفعت أثماناً لهذا الاختلاف.

كانت ثوابت مصر إزاء الأحداث فى سوريا واضحة، فهى رفضت المساس بالسيادة الوطنية، وعارضت شن العدوان، ودعت إلى صيانة التماسك الإقليمى والوحدة الترابية للبلاد، كما هاجمت أعمال العنف، واستهداف المدنيين، وأنشطة الميليشيات، ودعت إلى مواجهة التحدى الإرهابى الذى أخذ يترعرع بموازاة تضعضع سلطة الدولة.

تدرك مصر أن اتهامات مُعتبرة توجه للنظام السورى باستخدام أساليب غير ديمقراطية مخالفة لمعايير حقوق الإنسان، وأنه يحكم بطريقة شمولية، وأنه ربما تورط فى ارتكاب «جرائم» ضد شعبه، لكنها مع ذلك أدركت أن تكاليف إطاحة مثل هذا النظام من دون ترتيب لأوضاع سياسية مستقبلية مستقرة، أو قابلة للاستقرار، أكبر وأخطر وأفدح أثراً.

تربط مصر بسوريا علاقة نادرة وخاصة، إذ سبق أن كان البلدان دولة واحدة، حين تحققت الوحدة فى العام 1958.

صحيح أن الوحدة لم تستمر، وأنها كشفت عن أخطاء جوهرية وقصور بنيوى فى الفكر السياسى العربى والتجربة الناصرية الآسرة والنافذة آنذاك، لكن مع ذلك، ظل هناك ما يُرسخ فى اعتقاد الأطر الفاعلة فى سياسة البلدين أن ما يجمعهما كثير.

قاتلت سوريا إلى جانب مصر فى حرب أكتوبر 1973، كما حدث مرات عديدة على مر التاريخ، لذلك، فإن الاعتقاد السائد بأن الأمن القومى لمصر يبدأ من سوريا يجد له سنداً واضحاً فى التاريخين المعاصر والبعيد.

لقد ارتكب النظام السورى أخطاء كبرى، خصوصاً عندما فتح المجال لإيران لكى تعزز نفوذها فى المجال العربى من خلاله.

ورغم الإقرار بضرورة رفض فكرة أن يكون بشار الأسد جسراً تعبر عليه إيران لكى تستبيح الأمن القومى العربى، وتهدد المصالح الحيوية العربية، فإن حرمان إيران من مزايا تحالفها مع الأسد لا يجب أن يكون ثمنه سوريا وشعبها ومعهما ما سيترتب على التفريط فيهما من تهديدات جوهرية للأمن القومى العربى.

ولأن مصر لم تتورط فى تأجيج أى استهداف ضد حكومة بشار الأسد، ولم تغير موقفها الداعم لوحدة الدولة السورية وسلامة أراضيها، فإن بوسعها، إذا حصلت على تأييد حلفائها العرب، أن تؤدى دوراً فى إيقاف القتل والدمار وتحلل الدولة، وبناء مسار لتفاوض جاد، يمكن أن يفضى إلى «حل وسط»، يحقق قدراً من المصالح المتوازنة للأطراف المنخرطة فى الصراع، من دون التورط فى المزيد من الخسائر التى لن يمكن تعويضها لاحقاً.

* نقلا عن "المصري اليوم"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.