الطماع والنصاب في حكاية جديدة

ياسر عبد العزيز
ياسر عبد العزيز
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط

استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي

0:00
5 دقائق للقراءة

في العقد الأخير من القرن التاسع عشر، تفتق ذهن مهاجر أوروبي إلى الولايات المتحدة الأمريكية عن حيلة عبقرية لتحقيق الثراء، في بلد عُرف منذ نشأته بأنه "أرض الأحلام".

وعلى الفور بدأ هذا المغامر في تنفيذ خطته؛ فاستأجر مكتباً في إحدى البنايات، وطبع بعض الإعلانات، وقام بلصقها على جدران المدينة وتوزيعها على الحانات وبعض وسائل النقل.كانت كلمات الإعلان بسيطة ومباشرة: "احصل على دولار شهرياً مقابل كل دولار تدفعه لنا"، ثم عنوان الشركة، وصورة صاحبها، الذي تم وصفه بأنه "رجل الأعمال والمستثمر الكبير".

الفكرة ببساطة أن هذا المغامر طرح على مجتمع المدينة التي استهدفها فرصة استثمارية بعائد يبلغ نحو 1200% سنوياً من أصل رأس المال، مع دفع الفائدة شهرياً، بحيث يكون العائد الشهري بنسبة 100% من المدفوع، وهو عائد لم يكن مطروحاً من أي وعاء استثماري، سواء كان خاصاً أو حكومياً، فضلاً عن كونه يعكس نسبة ربح خيالية، يعرف الجميع أنه لا توجد صناعة أو تجارة أو خدمة يمكنها أن تحققها.

لكن ثمة عوامل عززت فرص هذا المغامر في جمع ثروة من عدد من الطماعين أو البلهاء؛ أولها أنه روّج عبر بعض المعاونين أنه اكتشف منجم ذهب، وأنه يحتاج إلى تمويل عاجل لدفع رشى وإتاوات وتشغيل عمالة وجلب معدات لبدء استخراج المعدن النفيس وبيعه.

وثانيها أن أوعية الاستثمار المأمونة في ذلك الحين كانت محدودة وعوائدها منخفضة، وثالثها أن كثيرين من المهاجرين إلى "العالم الجديد"، كما عُرفت أمريكا آنذاك، كانوا يحلمون بالثراء السريع، والعيش الرغد، والربح السهل.

على أي حال، تلقى المغامر الآفاك الدفعة الأولى من الدولارات، وحرص عند انتهاء الشهر على تسليم كل مودع عائده، المتمثل في نسبة 100% شهرياً مما أودعه.

بعض المودعين شعر بجدوى هذا النوع من "الاستثمار"، فضاعف دولاراته، أو رفض الحصول على العائد، طالباً ضمه إلى رأس المال.مرت شهور قليلة، فإذا بحجم إيداعات يتجاوز مئات الآلاف من الدولارات لدى الشركة، وهو رقم كبير بمعايير تلك الأيام، ولم تكد تمر شهور أخرى، حتى اتضحت الحقائق، ففر صاحبنا بما بقي من إيداعات لديه، بعدما توقف عن دفع إيجار المكتب، وباع أثاثه.

الفكرة ذاتها تكررت كثيراً في العديد من المجتمعات، وقد تجسدت في مصر بوضوح في الثمانينيات من القرن الفائت، فيما عُرف آنذاك بكارثة "شركات توظيف الأموال"، التي بات معروفاً أنها تعتمد على آلية واحدة لا تتغير: سوق مأزومة، وراغبون في الربح الوفير السهل، وعوائد غير واقعية تُدفع بانتظام لأوائل المودعين، وحملات ترويج واسعة، ودفع أموال مودع كعائد لمودع آخر، ومغامر آفاك يغرق في الثراء، ودموع ندم تذرفها "ضحايا" بعد فوات الأوان.

تبدو تلك القصة منطقية بطبيعة الحال، وتبدو مآلات هذا النوع من الاستثمار معروفة مسبقاً، وعلى الأرجح فإن قطاعاً كبيراً ممن يتورطون فيه يتسمون بسمات محددة على صعد السوية الثقافية والاجتماعية، لكن ذلك لا يسوغ هذا السيل المنهمر من الأنباء عن ظهور نصابين جدد كل يوم، في ظاهرة يجب أن تجتهد الدولة لفهمها ومعالجة أسبابها وإيجاد حل لها.

فعلى مدى الأسبوع الماضي، هيمنت على المجال العام في مصر الأنباء عن شركة أطلقت منصة إلكترونية لتوظيف أموال المودعين ومنحهم أرباحاً خيالية لا يمكن أن تعبر عن مسار توظيف مالي سليم أو تتسق مع الحالة الاقتصادية في البلاد.

الفكرة التي نفذتها الشركة لا تختلف أبداً عما فعله المغامر الأوروبي في الولايات المتحدة، في القرن التاسع عشر، بل هي اتبعت بأمانة شديدة نموذج الأعمال نفسه، والغريب أن الأمر انطلى على المئات أو الآلاف من "الضحايا" الذين يصعب جداً حصرهم.

لقد أوهمت تلك الشركة هؤلاء "الضحايا" بأنها تستثمر في "تعدين العملات الرقمية"، وأن بوسع أي منهم أن يحصل على أرباح ضخمة لقاء توظيف أمواله معها، وستزيد أرباحه إذا جلب "مستثمرين" آخرين.

وكما فعل المغامر الأوروبي تماماً، وبعده عشرات من "مُوظفي الأموال" و"المستريحين" المصريين لاحقاً، فقد منحت الشركة "الضحايا" أرباحاً بانتظام، ما أغراهم بتوظيف المزيد من المال، ودعوة المزيد من الأصدقاء والأقارب والمعارف للانخراط في العملية نفسها، بل وترك أموالهم في الشركة طمعاً في المزيد من الأرباح.

وكما حدث على مر التاريخ في مثل هذه الوقائع، فقد استيقظ المودعون في أحد الصباحات ليجدوا أن المنصة الإلكترونية للشركة متوقفة عن العمل، وأن أموالهم ذهبت أدراج الرياح، ثم راحوا يشتكون ويصرخون ويطالبون الدولة بالتدخل.

من المؤكد أن الدولة مطالبة بالقيام بدور إزاء هذا النصب والإجرام، ومن ذلك أن تجتهد الأجهزة المعنية في الوصول إلى القائمين على الشركة وتوقيفهم والتحقيق معهم، وتوقيع الجزاء المناسب بحقهم عبر الأقنية القضائية المعنية، بعد العمل على رد أموال الناس إن أمكن.

ومع ذلك، فإن الإنصاف يقتضي توجيه اللوم إلى هؤلاء الذين استسلموا لرغبات الربح السهل السريع، وساعدوا الشركة على تحقيق مآربها الإجرامية، كما أن المنطق يستوجب أيضاً البحث في الأسباب التي تقود الناس إلى الوقوع في الشرك ذاته مئات المرات.

نقلاً عن "الوطن"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.