تونس على عتبة الإصلاح الاقتصادي الصعب؟

أسامة رمضاني
أسامة رمضاني
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط

استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي

0:00
6 دقائق للقراءة

في خضم التوترات السياسية التي لا تنتهي على الساحة التونسية، تتواصل الأزمة الاقتصادية وتستمر شجونها.

لا تجد الدولة مخرجاً سهلاً من ضائقتها المالية الناتجة من إمعان الحكومات المتعاقبة منذ 2011 في الإنفاق بشكل يفوق قدرة البلاد، بعد أن غابت الرؤية المسؤولة وتعطلت دورة الإنتاح أو تكاد.

اليوم يسيطر القلق على المسؤولين والخبراء بخصوص العجز الذي تواجهه الموازنة. وتخشى معظم شرائح المجتمع أن تزداد قدرتها الشرائية تآكلاً نتيجة ارتفاع نسبة التضخم وتراجع موارد الدولة.

رغم هذه الأجواء الغائمة يتراءى في الأفق ما يشبه البصيص من الأمل. لا لم تكتشف تونس آبار نفط أو غاز واعدة، ولكن أصبح بإمكانها التراجع خطوة واحدة إلى الوراء بعد أن بلغت حافة الهاوية المالية.

نزل سقف التوقعات على مر السنين وأصبح نتيجة لذلك مجرد احتمال أن يوافق صندوق النقد الدولي على منح البلاد قرضاً مبعثاً للأمل.

خاب ظن المواطن التونسي أكثر من مرة بالساسة الذين وعدوه بتحقيق الانتعاشة الاقتصادية المرجوة ومراجعة منوال التنمية. ما تحقق بالعكس هو تفاقم عجز الموازنة وتراكم ديون الدولة وتدهور المؤشرات الاقتصادية.

وصل اقتصاد البلاد إلى طريق مسدود وأضحى السبيل الوحيد هو الحصول على قرض بقيمة 1.9 مليار دولار من صندوق النقد على أمل أن يفتح ذلك القرض الباب أمام قروض أخرى من شركاء البلاد وأصدقائها. لكن صندوق النقد قرر في كانون الأول (ديسمبر) الماضي تأجيل النظر في ملف القرض لأسباب من أبرزها تأخر مسار الإصلاح الاقتصادي في تونس أمام تخوف السلطات من الانعكاسات الاجتماعية للإجراءات التقشفية التي قد تتخذها. وتأخر كذلك الأصدقاء والشركاء عن منح القروض والودائع.

خلال الأسابيع الماضية تعمقت مسحة التشاؤم إلى حد أن بعض الخبراء في تونس بدأوا يقولون إن الأمل في الحصول على قرض من صندوق النقد قد تبخر نهائياً، وأصبحت الدولة أمام خيار وحيد وهو التفاوض مع "نادي باريس" حول جدولة ديونها الخارجية.

لكن وكالة التصنيف الائتماني "فيتش رايتينغس" أصدرت، عكس هذه التوقعات، بياناً خلال الأسبوع الماضي أكدت فيه أن تونس حققت تقدماً نحو تنفيذ السياسات التي كان اشترطها صندوق النقد للموافقة على اتفاقية القرض. ولذلك فإنه من المحتمل، بحسب "فيتش"، أن تحصل البلاد على القسط الأول من هذا القرض قبل نهاية النصف الأول من السنة.

تتعلق الإجراءات التي دعا إليها صندوق النقد بتقليص تدخل الدولة في دعم أسعار بعض المواد الأساسية مثل الوقود، والضغط على حجم الإنفاق على رواتب الموظفين الحكوميين، بالإضافة إلى مراجعة دور السلطات في تمويل المؤسسات الحكومية الفاشلة.

وقالت "فيتش" إن تونس لن تكون مضطرة لإعادة جدولة ديونها. ولكن العبء الذي تحمله الدولة على عاتقها بسبب تسديدها ديونها الداخلية والخارجية سيبقى ثقيلاً. فقد ارتفع مستوى خدمة الدين، مثلاً، خلال الشهرين الأولين من السنة إلى حد جعله يتجاوز إجمالي عائدات تحويلات التونسيين في الخارج والمداخيل السياحية مجتمعة.

ما الذي حدث بالضبط كي يتغير مزاج "فيتش" وغيرها من الأطراف المتابعة للوضع الاقتصادي والمالي في تونس؟

أول العوامل هو تواتر المؤشرات الخجولة التي تدل الى مضي السلطات قدماً، ولو بصمت، نحو تنفيذ الإصلاحات المطلوبة، ومن بينها مصادقة مجلس الوزراء على تنقيح قانون المؤسسات العمومية بما يسمح للحكومة بمراجعة أوضاع هذه المؤسسات، إضافة الى تصديق المجلس على قانون المالية لسنة 2023 بشكل يضع البلاد على سكة الإجراءات التقشفية المطلوبة.

عامل آخر طفا على السطح هو دعوة بعض القوى الغربية، وبخاصة منها إيطاليا إلى ضرورة مساعدة تونس على تجاوز أزمتها المالية والتوصل إلى اتفاق مع صندوق النقد.

وشجعت المؤشرات الجديدة المديرة العامة لصندوق النقد كريستالينا جورجييفا في منصف شباط (فبراير) الماضي على القول إن تونس "تقدمت فعلاً بشكل جيد" على صعيد إنجاز الإصلاحات المطلوبة. وتوقعت جورجييفا مصادقة الصندوق على القرض الذي تنشده تونس "في غضون أسابيع وليس أشهر".

الغريب في الأمر أن سردية التقدم في الإصلاح، رغم إقرار صندوق النقد بما حصل من خطوات، غابت بصفة شبه كاملة من الخطاب الرسمي في تونس.

من الواضح أن مثل هذه السردية لم تكن تستجيب لأولويات السلطة المنشغلة بطمأنة الجمهور الداخلي الذي تزايدت مخاوفه من أن تؤدي الإصلاحات إلى ارتفاع الأسعار وأن تنحسر الاعتمادات المخصصة للرواتب في الوظائف الحكومية وأن تتخلى الدولة عن مساهماتها في عدد من الشركات الحكومية التي تعاني من صعوبات مالية ما قد يعني بطالة وفقدان امتيازات للكثيرين.

هذه المخاوف رسختها سردية مضادة تبناها اتحاد الشغل بمعية قوى سياسية معارضة. لا شيء أسهل من تأجيج الخوف زمن الأزمات.

لذلك لم يكن الكثير من المسؤولين يتحدثون عن الإصلاحات حتى وإن كانت الحكومة بدأت بالفعل في تنفيذها. وتركت السلطة الكلام عن هذه الإصلاحات للتكنوقراط خلال اجتماعاتهم المغلقة مع المانحين الأجانب.

في الأثناء، كان النقاش الداخلي يغرق في المزايدات السياسية التي حولت الاقتراض من صندوق النقد إلى مسألة "ارتهان للقرار الأجنبي". وغاب النقاش الهادئ للموضوع بشكل كان من المفروض أن يوضح الإشكاليات المطروحة وأن يقدم البدائل الممكنة إن كانت هناك بدائل. بل إنه في بعض الحالات كان هناك ما يشبه الإنكار لوجود أي إصلاح.

خلال برنامج إذاعي، رد أحد الصحافيين التونسيين على نائب رئيس البنك الدولي الذي كان يفسر كيف أن السلطات بدأت فعلاً تنفيذ الإصلاحات الاقتصادية المطلوبة بالقول: "أي إصلاحات؟ ليست هناك أي إصلاحات".

موقف هذا الصحافي كان في الواقع انعكاساً غير مباشر لسياسة اتصالية رسمية تميزت بشح المعلومات حول مضمون الإصلاحات ونسقها. غيبت هذه السياسة تفاصيل الإصلاحات، وفي أفضل الحالات خلقت انطباعاً بأن تنفيذ الإجراءات التقشفية سيتم على مضض وذلك بسبب المحاذير المحيطة بها.

سيكون من الصعب مستقبلاً على الحكومة أن تواصل التكتم على تدابير ستمس بالضرورة الحياة اليومية لعامة الناس. ولن تستطيع وتيرة الإصلاحات الاقتصادية وما يحب أن يرافقها من دعم مالي خارجي أن تتقدم مع استمرار التجاذبات والتوترات السياسية العميقة في البلاد.

هذا المناخ قد يجعل الإصلاح الاقتصادي يبدو أمراً ثانوياً في حين أنه مسألة جوهرية تحتاج إلى توافق واسع بين مختلف الأطراف السياسية والاجتماعية. كما تحتاج أيضاً إلى تعبئة الجهود الدبلوماسية من أجل إقناع القوى الإقليمية والدولية بأن ترك تونس لوحدها في مواجهة أزمتها المالية الخانقة مجازفة محفوفة بالمخاطر.

قضية الإصلاح الاقتصادي يجب أن تخرج في نهاية المطاف من رقعة التوظيف السياسي والحسابات القصيرة الأمد، داخلياً وخارجياً، بسبب تداعياتها على استقرار تونس وعلى مصالح شعبها الذي أرهقته الأزمة الاقتصادية بما فيه الكفاية.

نقلاً عن "النهار"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط