معارضة التمويل الإسلامي!

خليل علي حيدر
خليل علي حيدر
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط

استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي

0:00
6 دقائق للقراءة

عندما كان ناشطو الإسلام السياسي ينتقدون البنوك والمؤسسات المالية باعتبارها «ربوية» كانوا يروجون في الوقت نفسه لما يسمونه «الاقتصاد الإسلامي» وبيوت المال والمصارف التي تتسم بأنها «غير ربوية»، وأنها وهذا الأهم في خدمة تطوير الاقتصاد الإسلامي وحل مشاكل التخلف في مختلف الأقطار العربية والإسلامية، وأنها ستنهض بكل العالم الإسلامي.

وتسببت عوامل سياسية واقتصادية وحتى استراتيجية دولية في انتشار «المصارف اللاربوية» و«البنوك الإسلامية» وغيرها من التسميات في كل مكان حتى غدت هذه البنوك والشركات بالمئات والآلاف في كل الدول والقارات.

ولكن ماذا حلت من مشاكل الفقر والتخلف والتنمية في الدول العشرين العربية أو الخمسين الإسلامية؟ وماذا أنجزت بعد نحو نصف قرن من النشاط المالي والتجاري وغيره سوى إضافة المزيد من المؤسسات والأموال إلى العجلة نفسها تحت عناوين أخرى؟ وإضافة مليارات أخرى من الدولارات إلى المليارات المتكدسة؟

كان من المآخذ على البنوك عدم الاهتمام بالاستثمار الإنتاجي الطويل الأمد، كالمشاريع الإنتاجية الكبرى وعدم وضع خطة لانتشال الملايين من سكان العالم الإسلامي من دائرة البؤس الاقتصادي، وبناء دول متقدمة تنافس اليابان وألمانيا وكوريا... انظروا اليوم من أين تأتي أرباح «البنوك الإسلامية؟» وما أولوياتها المالية والاستثمارية؟ وفي أي مجال تتحرك «أموال المسلمين» وتأتي «بالأرباح اللاربوية!»

بيّن باحث اقتصادي من الإسلاميين السعوديين قبل سنين مشاكل المؤسسات المالية، وذكر ستاً من أبرز «مشكلات وسلبيات» المصارف الإسلامية اليوم، «فذكر منها نقص التنسيق بين هيئات الرقابة الشرعية، ونقص الكوادر المصرفية المتفهمة لطبيعة العمل المصرفي الإسلامي، وعدم وجود معيار إسلامي للربح، وضعف معدل العائد مع تفضيل مصلحة المساهمين على حساب المودعين، وضعف التنسيق والتعاون بين المصارف الإسلامية وطغيان عقود المرابحة على النشاطات الأخرى بنسبة تبلغ 80%، والتي وصفها الباحث بأنها نسبة غير عادية ومخيفة». (الحركات الإسلامية في الدول العربية خليل علي حيدر- ص 67).

ونتساءل مرة أخرى من أين تأتي اليوم معظم الأرباح والأموال التي تتباهى بها الشركات والمصارف «الإسلامية»؟ وفي الكويت قالت النائبة السابقة السيدة صفاء الهاشم «إنه عند مناقشة اللجنة المالية تعديل قانون البنك المركزي، تبين لنا أن هناك 14 شخصا أعضاء في كل اللجان الشرعية بالبنوك ويتقاضون بين 100 ألف و250 ألف دينار مكافآت»، وأضافت: «هناك من يقوم فقط بختم الفتوى دون قراءتها». (الجريدة 20/ 2/2020).

وجاء في مقال في «القبس» كتبه الخبير د.محمد هشام حتاحت ما يلي: «وبعد الاطلاع على التقارير الشرعية السنوية المنشورة للمصارف الإسلامية عن عام 2020 نجد أنها تقارير مقتضبة جداً لا تسمن ولا تغني من جوع أصحاب الحسابات الاستثمارية للمعلومات الجوهرية عن توزيع الأرباح وتحميل الخسائر وبناء الاحتياطيات وغيرها المتعلقة باستثمار أموالهم، فهي تكتفي باستخدام النص الحرفي لتعليمات بنك الكويت المركزي وتلصقه في تقريرها كما هو من دون إضافة أية معلومات ملائمة حول هذه الجوانب، بينما نجد أن حجم تقرير الحوكمة وتقرير المسؤولية الاجتماعية الخاص بالمصرف أضعاف التقرير الشرعي السنوي ويضمان تفصيلاً فنياً ملائماً عنهما».(القبس 4/ 5/2021).

مهما حاول الأفراد أو المسؤولون في الكويت وخارجها تزيين ما يسمونه البنوك أو الاقتصاد اللاربوي أو الإسلامي فإنها في النهاية من أدوات وأذرع الحركة السياسية العالمية للإخوان المسلمين أو الإسلام السياسي التي أغرقتها الحكومات الخليجية برعاية «الإخوان» في الكويت بالأموال منذ عشرات السنين، و«الاستثمار الإسلامي» اليوم مؤسسات مليارية تمتد من شرق آسيا إلى غربها والى أوروبا وأميركا، إذ قام فقهاء الإسلام السياسي بتبني الفتاوى التي تدعم نشاطها وتزيل الصفات الربوية عن أي استثمار ممكن، وقد قال مؤسس الإخوان الشيخ حسن البنا: «ليس الزهد أن تترك الدنيا في يد الكفار، بل أن تمتلك الدنيا حتى يستوي عندك الذهب والتراب». (حديث الثلاثاء، أحمد عيسى عاشور، 1985، ص219).

وقد بينت مراراً موقف بعض الإسلاميين الذين لم تخدعهم ألاعيب الإخوان المالية، فرائد فكرة المصارف الإسلامية «د. أحمد النجار» قال في مقابلة مع صحيفة (صوت الكويت): «إن المؤسسات المالية الإسلامية لم تأخذ من المنظومة المالية الإسلامية سوى عنصر واحد هو عاطفة الجماهير الإسلامية». (صوت الكويت 16/ 4/ 1992).

وفي كتابه «حركة البنوك الإسلامية» اتهمها بالانصراف عن أهدافها والابتعاد عن التنمية الجادة والانغماس في المضاربات العقارية وتحويل وتداول العملات الأجنبية، وتوظيف نسبة كبيرة من أموالها خارج البلدان الإسلامية، كما اتهم مديري هذه المصارف «بعدم الاكتراث بالبعد الفكري والعقائدي» (16/4/ 1992).

ولم يرحب مؤسس الحركة السلفية في الكويت الشيخ عبدالرحمن عبدالخالق كذلك بالمصاريف الإسلامية وما سمي المرابحة، وقال: «إن أخبث صور التعامل التي انبنت على بيع الأجل مع زيادة هي الصورة المسماة زوراً بيع المرابحة التي يجريها ويتعامل بها كثير من البنوك الإسلامية، وإنني أبرأ الى الله أولاً من هذه المعاملة والحيلة الشريرة وذلك في إتيان الحرام على وجه أهون عند الله من التحايل عليه». (القول الفصل في بيع الأجل، 1985، ص37 -38).

ولا أعرف ماذا فعل السلفيون الكويتيون اليوم بكلام مؤسس الجماعة الواضح هذا!

وكما هو معروف لا اتفاق بين الفقهاء، رغم سياسة التخويف والحرمان والعزل في التحريم المطلق للفوائد المصرفية الثابتة، وقد نفى شيخ الأزهر د.محمد سيد طنطاوي حرمتها المطلقة أو اعتبارها من «الربا الفاحش» المنهي عنه في الشرع، وعلى العكس تماماً قال: «إن البنوك التي تحدد الأرباح مقدماً هي الأقرب الى الإسلام لأنها تعرفني حقي»، وأضاف إن «تحديد الربح مقدماً لا علاقة له بالحل والحرمة». (صحيفة الحياة 6/ 2/ 1996).

وهو مماثل لما ذهب إليه وأعلنه مفتي مصر د.نصر فريد واصل الذي قال: «إن أرباح وعوائد الاستثمارات في البنوك حلال وإن القول بحرمتها جهل بالإسلام». (القبس 25/ 2/ 1998).

ولكن هذا كله لم يوقف المخطط المصرفي! ولم تستطع مثل هذه الفتاوى والآراء الوقوف أمام تنامي قدرات «التمويل الإسلامي» وزحف مؤسساته على الحياة الاقتصادية داخل الكويت والمنطقة الخليجية والإسلامية وخارجهما، فلماذا كان التوسع والنمو في المؤسسات الإسلامية وانتشارها؟ هذا ما سيكون القسم الثاني من المقال!

نقلاً عن "الجريدة"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط