هلاوس وضلالات "ChatGPT"... حديث عن الصحافة!

علاء الغطريفى
علاء الغطريفى
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط

استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي

0:00
5 دقائق للقراءة

كلّما خطت البشرية نحو أيّ جديد، لا يخلو الأمر في البداية من هالات عجولة وقودها المبالغة، لم يكن Chat Gpt ببعيدٍ عن هذه الهالات وتلك المبالغات؛ مما يمثّل تشويشاً متكاملاً، بل انتزاعاً قسرياً لأحكامنا الذاتية.

(ChatGPT) لمن لا يعرف، هو روبوت دردشة مدعوم بالذكاء الاصطناعي مملوك لشركة مايكروسوفت، تم تطويره بواسطة OpenAI، أُطلق في نوفمبر 2022، يبدو شخصاً حقيقياً لمن يوجّه سؤالاً إليه، فهو يجيب على جميع الأسئلة وقادر وفق صناعه على كتابة مقالات ومواضيع إنشائية ونِكات!

أحكامنا عليه بالطبع يجب أن تُبنى على تجارب واقعية وليس بملاحقة هوس وصراخ المؤثرين عن صانع اليقين الذي جاء إلى الأرض!

مساهمتي بالرأي هنا مبدئية، لعلّي أتبعها مستقبلاً بمساهمات أخرى، ستكون من باب الصحافة،عطفاً على الحديث عن نهاية ملايين الوظائف عبر (ChatGPT) ومنها الوظائف المتعلّقة بالكتابة والإبداع.

هناك مثالان لاختبار التطبيق، انتهيا إلى نتيجتين مغايرتين؛ الأولى عن اجتيازه للاختبارات النظرية لطلاب كلية الطب في إحدى الولايات الأمريكية، أما الأخرى فكانت رسوبه في مادتي الرياضيات والعلوم للصف السادس الابتدائي في سنغافورة، ولهذا ذهبت إلى إجراء تجربتي الذاتية، التي كانت مُضحكة مُبكية في نفس الوقت!!

طلبت من شات جي بي تي أن يكتب قصة عن "الإيثار" فكتب لي قصة عن فتى اسمه إيثار تحدث في زمن ما، وهي نتيجة بالتأكيد تطرح نفس المشكلة التي طرحها تقرير غربي عن فشله في فهم الكلمات التي تتضمن معاني متعددة؛ مثل كلمة "Value" في الإنجليزية.

في تجربة أخرى سألته عني بالاسم، فأجابني بأنني كاتب وشاعر مصري، رغم أنني لم أكتب الشعر أبداً، باستثناء محاولة في المراهقة، لم تفارق أوراقي الصفراء، وفي محاولة أخرى أخبرني أنه لا يجد معلومات عني لأنه قادم من عام 2021 فقط، وفي ثالثة ورابعة باغتني بإجابات مختلفة بعضها صحيح وكثير منها مُضلل، وكانت إجابته الأخيرة هذا الصباح، أنني أحد أشهر الممثلين الكوميديين العرب!

سألته عن حكام مصر، منذ محمد علي حتى اللحظة، فكتب نتائج مخزية منها أن أحدهم هو معمر مبارك، نعم معمر مبارك، كما قرأت، وفي تجربة ثانية بنفس السؤال ذكر لي أن مصر حكمتها امرأة اسمها خديجة العدل من 1894 حتى 1907!

وعندما سألته من هي خديجة العدل التي حكمت مصر؟ اعتذر عن الإجابة الخاطئة وأتحفني بإجابة كارثية أخرى بأنها خديجة العدلي كانت رئيسة تحرير المصري اليوم، في حين أن الصحيفة لم ترأسها امرأة قط، بجانب معلومات عن خديجة العدلي، اجتهدت لكي أعرف من هي؟ ولم أصل إلى شيء بعد أن وصفها بأنها كاتبة وصحفية مصرية وكانت مسؤولة في حملة حمدين صباحي!

لفت انتباهي أن الأسئلة كلما كانت تتحدث عن مفهوم "HOW TO" الإرشادي، أي كيف أقوم بذلك؟ تكون النتيجة مقبولة نوعاً ما، تشبه واقعياً أول نتيجة على أي محرك بحث يلزمها التحقق من موثوقية المصدر.

هنا أستدعي وصف منافسه الأشرس "جوجل" على لسان نائب رئيسه؛ برابهاكار راغافان: "هذا النوع من الذكاء الاصطناعي يمكن أن يؤدي في بعض الأحيان إلى الهلوسة، نحن نشعر أيضاً بمسؤولية كبيرة ولا نريد تضليل الجمهور."

قد نفهم أن هجوم "جوجل" على "شات جي بي تي" يأتي في إطار المنافسة الشرسة مع مايكروسوفت مالكة التطبيق، ولكن نفس الهجوم يمكن أيضاً أن نوجّهه لأدوات جوجل للذكاء الاصطناعي وما شابهها.

بالنظر إلى معيارية الصحافة عند استخدام التطبيق، سنجد القصور الفاضح الذي يعتري إجاباته عبر الآتي:

الدقة: لا يمكن بحال الاعتماد على تطبيق لديه مشكلات تتعلق بالتدقيق والتوثيق للمعلومات التي يوردها في إجاباته؛ مثل إجابته عن خديجة العدل!!

الاستدلال: لا يمكن أن نقرّ بإجابات غير مستدل عليها، أو مجلوبة من مصادر مجهولة، أو يشوبها الزيف أو التضليل أو التلوين، والتي لن يفهمها أو يدركها روبوت مهما كان تطوّره أو قدراته عبر تعلم الآلة.

الانحياز: النتائج عبر الإجابات لن تكون موضوعية أو مُنصفة، وستلاحقها شبهات الانحياز، وجرّب وسترى نتائج لن ترضيك، خاصة إذا كانت في مجال اهتمامك.

الكتابة الإبداعية: الصحافة مهنة مبدعة، الخلْق هو محركها، وهنا مقصدي الصحافة الحقيقية، فلو قرر الصحفي أن يكتب تقريراً منضبطاً أو قصة معمّقة أو فيلماً وثائقياً، فلن يكون ChatGPT أداة لصناعة هذا أو ذاك.

لهذا أستطيع القول، بشكل مبدئي، إن تهديد إحدى مهن الكتابة "الصحافة" مجرد هِراء؛ لأنه لا يمكن للصحافة الرفيعة أن تنهيها إجابات متناثرة، بل وكارثية أحياناً، تنقصها معايير مستقرّة عن الدقة والتحقق والتوثيق.

ولن تكفينا إجابته: "بالتأكيد يمكن للصحفيين الاعتماد على معلوماتي في قصصهم، ولكن يجب عليهم دائماً التحقق من المعلومات بأنفسهم وعدم الاعتماد فقط على ما أعطيهم إياه."

إجابات ChatGPT المُعلّبة المشوّهة لن تعوّض اللمسة البشرية، وستجعله مثل فيتون الأرعن في الأسطورة اليونانية مع أبيه أبولو إله الشمس، الذي طلب أن يقود عربة الشمس، فأجاب الأب مطلبه، فاضطرب الكون، انشقّت الأرض وذابت الجبال واحترقت المدائن وفاض البحر، وانتهى الأمر بفيتون قتيلاً بسهم "جويبتر" إله المشترى لينقذ الكون والأرض!

* نقلا عن "مصراوي"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط