رمضان في تونس... موسم للجدل حول "فلّوجة"

أسامة رمضاني
أسامة رمضاني
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
6 دقائق للقراءة

لم تكن هذه المرة الأولى التي تُحدِث فيها المسلسلات التلفزيونية للمنتج سامي الفهري خصيصاً لشهر رمضان جدلاً واسعاً داخل المجتمع التونسي.

أثار آخر مسلسلاته حفيظة فئات واسعة من الناس، ساءهم أن يتعرض المسلسل في شكل مباشر لمشاكل العنف واستهلاك المخدرات في المدارس وانتشار مظاهر الانحراف في صفوف التلامذة.

لم يصدر إلى الآن استطلاع للرأي يحدد في شكل دقيق مواقف الرأي العام من محتوى هذا الإنتاج الدرامي، ولكن مواقع التواصل الاجتماعي ضجّت منذ اليوم الأول من شهر رمضان بأشد عبارات الشجب والتنديد بمحتوى المسلسل الذي يصور أحداثاً تدور في مدرسة ثانوية أبطالها تلامذة مراهقون وأساتذتهم وعائلاتهم.

يبدو أن هذه الموجة أثّرت في مواقف الحكومة واتحاد العمال اللذين أجمعا على انتقاد مضمون المسلسل في توافق نادر بينهما وسط خلافاتهما الدائمة حول السياسات التعليمية للبلاد.

ردود الفعل الرسمية والنقابية جاءت متناغمة مع مواقف الشارع التونسي التي اتهمت المسلسل بـ"الإساءة إلى الأسرة التربوية"، وذلك لاحتوائه على مشاهد تُظهر تورط بعض أفراد الطاقم التعليمي في تصرفات غير لائقة مثل التحرش بالتلميذات وتُبرز غياب الاحترام بين المدرسين وتلامذتهم.

وأطبق العديد من المتدخلين في البرامج الإذاعية والمنصات الإلكترونية التهم لمنتجي المسلسل بـ"محاولة تقويض القيم التربوية والترويج للعنف والمخدرات والتفلت الجنسي" بين الشباب. البعض نزع عن المسلسل صفة العمل الفني معتبراً إياه محاولة لـ"إشاعة الفسق والفساد". آخرون رأوا في المسلسل (منذ حلقته الأولى) "تهديداً للأمن القومي".

صبّ بعض المنتقدين جام غضبهم على منتجي المسلسل لأنهم اختاروا له عنوان "فلّوجة"، كاستعارة اقتبسوها من توصيف التلاميذ لمدرستهم وأحوالها المضطربة، بل اعتبروا أن العنوان يخفي رغبة خفية في استهداف "رمز من رموز مقاومة الاحتلال الأميركي للعراق".

تطورت ردود الفعل إلى حد إثارة قضايا لدى المحاكم من قبل أفراد ومنظمات غير حكومية، بل ومن وزارة التربية نفسها، للمطالبة بوقف بث المسلسل "حماية للناشئة" من تأثير محتواه، بخاصة أنه يُبَث بعد حوالى ساعة فقط من الإفطار. ويمثل ذلك التوقيت فترة الذروة في المشاهدة التلفزيونية ويجمع المتفرجين من كل الأعمار.

في خضم الأصوات المنادية بمنع المسلسل ارتفعت أصوات أخرى تحذر من مغبة استغلال الجدل حول "فلّوجة" من أجل فرض رقابة قضائية على محتوى الأعمال الفنية وتكبيل الإبداع من منطلق "حماية الذوق العام" أو "الحفاظ على الأخلاق العامة". ولكن أغلبية الأصوات بقيت بشكل عام إلى جانب المنددين بالمسلسل.

تناقضات
ليس مفاجئاً أن يتحول النقاش حول الكثير من المواضيع في تونس إلى جدل شديد تغذّيه مواقع التواصل الاجتماعي. وليس غريباً أن ينتهي ذلك الجدل إلى المحاكم أو أن يدفع الفاعلين السياسيين كي يدلوا بدلوهم في قضايا يرون أنها تحظى باهتمام الجمهور الواسع، اعتماداً على قراءتهم لمؤشر "فايسبوك".

يعكس الجدل الحالي في الواقع التناقض بين الاعتبارات التجارية التي تحرك منتجي معظم الأعمال التلفزيونية في القطاع الخاص والسياق الاجتماعي لهذه الأعمال بخاصة خلال شهر رمضان.

يوفر شهر رمضان مداخيل أكبر من بقية أشهر السنة إذ ترتفع فيه نسب المشاهدة التلفزيونية بشكل كبير. ولكن الظرفية الاجتماعية والدينية لشهر الصيام لا تتناسب مع بث الإنتاجات التي تبتعد من الضوابط التقليدية للمجتمع.

الأكيد أن مسلسلاً مثل "فلّوجة" يمثل عملاً تجارياً ناجحاً إذا ما أخذ المرء في الاعتبار كثافة المادة الإشهارية التي رافقت بث حلقاته الأولى وارتفاع نسب المشاهدة. المسلسل حظي في حلقته الثانية مثلاً بمشاهدة قرابة مليونين ونصف مليون متفرج في تونس.

كان من الممكن التخفيف من حدة التناقض بين الوازع التجاري والسياق المجتمعي لو أن اصحاب المسلسل ومسؤولي القناة التلفزيونية التي بثته اختاروا توقيتاً أكثر ملاءمة لبثه ونبهوا في مقدمته إلى أن محتواه "غير مناسب للمشاهدة من قبل القاصرين". وهذا على الأقل نظرياً من صميم عمل الهيئة التعديلية للعمل الإذاعي والتلفزيوني. وتلك مسألة أخرى.

جانب آخر من تناقضات المجتمع التونسي هو أن فئات واسعة من الجمهور تتابع برامج القنوات التلفزيونية العربية والأجنبية، بكل أشكالها ومختلف مظاهر خروجها عن التقاليد، من دون أن يزعجها أي شيء في محتواها. يبقى جهاز الريموت كونترول هو الحكم. لكن البث التلفزيوني التونسي شيء آخر. الإنتاجات القليلة التي تنتجها أو تبثها القنوات التونسية خلال شهر رمضان تحظى بأولوية المشاهدة، ويستبطن المتفرج التونسي بشأنها الكثير من القيود الأخلاقية التي لا يفرضها على القنوات الأجنبية.

قد يسمي البعض ذلك ازدواجية في الشخصية التونسية ولكنه واقع لا يمكن السهو عنه.

ورغم الضغط الذي يمارسه المجتمع يبدو من المستبعد أن يصدر القضاء حكماً بمنع المسلسل. ولكن إن صدر قرار بالمنع من قبل المحاكم أو بتدخل استثنائي من السلطة فسوف يدفع ذلك المتفرجين نحو المنصات الإلكترونية لمتابعة بقية أحداث المسلسل.

في الأثناء، سلطت ردود الفعل التي أثارها مسلسل "فلّوجة" الضوء أكثر من أي وقت مضى على استعداد التونسيين للقبول بتضييقات على مبدأ حرية الإبداع، مهما كانت قدسيتها بالنسبة لأهل الفن. هذه القابلية تنبع من قناعة منتشرة لدى الكثيرين أن حرية الإبداع لا يجب أن تكون على حساب القيم المتعارف عليها في المجتمع.

قد يشير ذلك بالنسبة لآخرين إلى وجود نزعة محافظة تخفيها مظاهر الليبرالية التي توحي بها سلوكيات النخبة الحداثية ومواقفها في تونس. ولكنها نزعة لا يمكن أن يغفل عنها الساسة ولا الفاعلون الاجتماعيون حتى في أوج أزمات البلاد الاقتصادية والسياسية الراهنة.

إضافة إلى ذلك هناك اعتقاد رائج لدى الجمهور أن الأعمال الدرامية الموغلة في تقديم الظواهر السلبية تشكل تحريفاً للواقع وتشويهاً لصورة البلاد وأهلها، خلافاً لرأي معظم المبدعين من أن مهمة تصوير الواقع بشكل فوتوغرافي من مشمولات العمل الصحافي والتوثيقي وليست من مشمولاتهم.

ويقول المبدعون إنه حتى إن استدعت خصوصية العمل الفني تضخيماً لبعض الجوانب الخفية من حياة الناس، فذلك لا يعني أن هذه الجوانب غير موجودة فعلاً في الواقع. وبغض النظر عن محتوى مسلسل "فلوجة" لا شك في أن مظاهر العنف والجريمة والانحراف منتشرة في المحيط المدرسي التونسي وتستوجب تضافر الجهود من الدولة والمجتمع في التصدي لها.

ذلك صحيح إلى حد كبير، لكن حرية الإبداع المطلقة قد تعني أيضاً ابتعاداً نخبوياً عن المجتمع ورفضاً للتفاعل مع ظروفه وحاجياته، ومن بينها اليوم الحاجة إلى سرديات البطولة والنجاح إلى جانب كشف الهنات والزوايا المظلمة.

ومن الطبيعي أن يتوق السواد الأعظم من الناس إلى أعمال تحلّق بهم بعيداً من المصاعب والآلام التي يزخر بها عالمهم المعيش، وتحملهم إلى الآفاق الأرحب التي يمكن أن يرسمها خيال المبدع والفنان.

* نقلا عن " النهار"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.