ما وقع بين رفاق السلاح في الغابة والجبل لا يبقى فيهما

اصطفافات الحركات السودانية المسلحة وتحالفاتها الحالية تصح قراءتهما على أن بصمة الشقاق انطبعت على وقائع ما بعد الانقسام إلى يومنا

عبد الله علي إبراهيم
عبد الله علي إبراهيم
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
8 دقائق للقراءة

زار رئيس الحركة الشعبية شمال التي تحتل قسماً من جبال النوبة كأرض محررة عبدالعزيز الحلو القاهرة في 20 مارس (آذار) الماضي للترويج، حسب محمد يوسف أحمد المصطفى، القيادي بالحركة، للإعلان السياسي الموقع بينه وبين "قوى الحرية والتغيير - الكتلة الديمقراطية" في 23 فبراير (شباط) الماضي. واعتبر الجانبان فترة الانتقال في إعلانهما منصة لإعادة بناء الدولة السودانية على أسس جديدة بصياغة الدستور الدائم المرتكز على المبادئ فوق دستورية. ويعنون بهذه المبادئ تلك الأصول مثل المواطنة وحقوق الإنسان، مما كفلته الشرائع الدولية المعاصرة، فلا تخضع كمواد الدستور الأخرى للتعديل بأي حال من الأحوال. ومن الأسس الجديدة لبناء الدولة في الإعلان إعادة هيكلة الجيش وفق عقيدة عسكرية جديدة، ودمج قوات الدعم السريع (بقيادة حميدتي) وقوات الحركات المسلحة في الجيش المنتظر. كما تواثق الطرفان على مبدأ التوزيع العادل للسلطة والثروة بين أقاليم البلاد، ورفع التهميش التنموي والثقافي، مع مراعاة التمييز الإيجابي للمناطق التي تضررت من الحروب.
ويعد توقيع الحلو مع الكتلة الديمقراطية التوقيع السادس في حساب توقيعات حركته الشعبية مع طائفة من الرموز والقوى المرموقة على الساحة السياسية السودانية. فكان أول إعلان سياسي للحركة هو ما صدر عنها مع الحزب الشيوعي في يوليو (تموز) 2020. وأعقب ذلك إعلانها في سبتمبر (أيلول) 2020، مع رئيس وزراء الحكومة الانتقالية عبدالله حمدوك حتى استقالته في نوفمبر (تشرين الثاني) 2021، لتوقع بعد ذلك إعلاناً مع عبدالفتاح البرهان، رئيس مجلس السيادة، في مارس 2021، ثم مع "الاتحادي الديمقراطي" في أبريل (نيسان) 2021، ثم مع حزب الأمة والحزب الاتحادي الديمقراطي (للمرة الثانية) واحداً بعد الآخر في يناير (كانون الثاني) وفبراير من العام الحالي.
استوقف الواثق كمير، زميل الحلو في "المجلس الثوري للحركة الشعبية" على عهد العقيد جون قرنق، تكاثر "الحركة الشعبية" في المواثيق حول قضايا تأسيسية للدولة السودانية مع أطياف مختلفة من القوى السياسية، ممن ربما كان الود مفقوداً بين أطرافها هي نفسها. وبدا كأن الواثق استغرب مراوحة الحلو عند مسألة الحرب والسلام، وهو ما تسعى إليه هذه الأطراف المؤثرة، ولا يجد ما يختلف فيه معها حول قضايا تأسيس السودان الجديد الذي خرج منذ عقود لتنزيله من فوهة البندقية في غالب أمره. فإن انقاد الأمر للحلو كما نرى، في قول كمير، فما الذي يحول دونه ودعوة كل القوى التي تواثقت معه على قضايا تأسيس السودان الجديد، إلى ما سماه "تمرين دستوري" ببلدة كاودا في جبال النوبة المحررة للتواثق على إعلان سياسي جامع يكون بمثابة المسودة لمؤتمر دستوري خاتم تدعو إليه حكومة الوقت.
تستدعي الحركة الشعبية والاتحادي في إعلاناتهما المغلظة الأخيرة ذاكرة عهد سياسي لهما منذ نحو 40 عاماً. وعرف ذلك العهد بـ "اتفاق الميرغني - قرنق" (نوفمبر 1988). والميرغني هو السيد محمد عثمان الميرغني زعيم الحزب الاتحادي الديمقراطي وراعي جماعة الختمية الدينية الغزيرة. وقرنق هو العقيد قرنق زعيم "الحركة الشعبية لتحرير السودان" ومؤسسها. واتفق الزعيمان على تعطيل قوانين سبتمبر 1983، وهي التي أقام عليها الرئيس السابق دولته الدينية في خريف نظامه. ولم تنجح الحكومة الانتقالية التي خلفته بعد سقوطه في عام 1985، ولا الحكومة المنتخبة في 1986 في إلغاء تلك القوانين بوجه "الجبهة القومية الإسلامية" بزعامة حسن الترابي التي أقامت الدنيا دفاعاً عنها. لم تثنها المعارضة العريضة لها ومن "الحركة الشعبية" خصوصاً بالطبع. وجاء اتفاق الميرغني - قرنق بحل وسط هو تجميد تلك القوانين حتى انعقاد مؤتمر دستوري لتأسيس دولة سودانية أخرى. وهو المؤتمر الذي لم ينعقد بسبب انقلاب "الجبهة القومية الإسلامية" التي وقفت بقوة ضد اتفاق الميرغني - قرنق. وقامت بانقلاب 1989 لما وجدت نفسها معزولة بسبب التحالفات السياسية التي ترتبت على تلك الاتفاقية، ثم كانت علاقة الحزب والحركة خلال معارضتهما معاً "نظام الإنقاذ". وما إن وقع الحلو إعلانه مع الميرغني حتى وصف قيادي بالحركة الإعلان بأنه "مواصلة النهج التاريخي الذي تبناه الطرفان لمعالجة قضايا البلاد منذ عام 1988 بمبادرة السلام السودانية".
بدا لي أن دعوة كمير للحلو أن يكون في واسطة عقد الحل للمسألة السودانية إما متفائلة، أو في غير مكانها. فإن كانت لسابقة وفود الميرغني لقرنق في 1988 من دلالة فإنها عن تكتيكات الأحزاب السياسية بأكثر مما هي عن عقيدة جدية تطرأ للواحد منها عن مخرج للأمة من محنتها. فوفود السياسي الحزبي إلى مسلح في الهامش "طقس عبور" لم يتخلف عنه أحد متى خسر أمام أحزاب أخرى في الحكم. فحتى حسن الترابي قصد "الحركة الشعبية" بعد المفاصلة الشهيرة مع "المؤتمر الوطني" في آخر عام 1999 ووقع معها مذكرة تفاهم في جنيف (فبراير 2001). لم تأتِ المذكرة في حق المواطنة في الدولة بغض النظر عن الانتماء الديني أو الإثني فحسب، بل في حق تقرير المصير أيضاً متى كان ذلك خيار قوم مغاضبين. ولو قيل لإسلاميي المؤتمر الشعبي إنهم سيتنازلون في جنيف وغير جنيف عن مثل تلك الحقوق التي جاهدوا دونها بالظفر والناب لاستغشوا ثيابهم مستنكرين.

وكانت وفود الميرغني لقرنق في 1988 طقس عبور مما رأينا عند المؤتمر الشعبي. فكان قد خرج من حلف حكومي ضمه مع حزب الأمة والجبهة القومية الإسلامية. وكان السبب الظاهر لخروجه هو رفضه قرار الحكومة رفع الدعم عن المحروقات، وهو قرار شارك فيه ثم تنصل منه في وجه المعارضة التي لقيها في الشارع. وبحكم العادة استنجد الميرغني بمسلح في الهامش وهو قرنق. ولا عيب في الاتفاقية سوى أنها، وقد أرادت تحقيق السلام في السودان، أثارت - بحزبيتها الصارخة بحيث غيبت رئيس الوزراء عن مجريات التفاوض حولها - خصومها ليرتكبوا انقلاب 1989 بعقوده العصيبة في السودان.
ربما استغرب كثيرون الأخبار عن الحلو والحزب الاتحادي، فلم يوقع الحلو معه ثلاثة إعلانات سياسية في بحر ثلاث سنوات فحسب، بل قبل أيضاً دعوة من السيد جعفر الميرغني، نائب رئيس الحزب ورئيس "قوى الحرية والتغيير-الكتلة الديمقراطية" لزيارة مصر للترويج للإعلان الأخير الذي وقعه مع الكتلة. وكانت انعقدت في القاهرة قبل نحو أقل من شهر ورشة الكتلة لمناقشة اتفاق سلام جوبا برعاية مصرية "أكتوبر (تشرين الأول)" ومصدر الاستغراب أن "الاتحادي" مجروح سياسياً لأنه داوم في السلطة مع "حكومة الإنقاذ" حتى سقطت إبان الثورة التي لا يحسن الحلو الظن بها فحسب، بل يعتقد أيضاً أنه من صناعها بطريقته. بل لا يخشى الحلو خاشية مثل عودة الأحزاب الغالبة ذات القاعدة الدينية كالاتحادي إلى الحكم بعد الثورة. فقال لشباب المقاومة في حي العباسية بأم درمان في لقاء عبر "الزوم" في سبتمبر 2021 إن مثل تلك الأحزاب "يفسد ثوراتكم باختطافها واحتوائها".
يخشى المرء أن يكون رمي الحلو بثقله مع الاتحادي والكتلة الديمقراطية، لا مع "قوى الحرية والتغيير-المركزي"، مواصلة لحربه مع جناح مالك عقار بصورة أخرى. فكان الحلو خرج في عام 2017 على مالك عقار، رئيس الحركة، وياسر عرمان أمينها العام فجردهما من كل نفوذ في جبال النوبة بل وتغلب عليهما أيضاً في النيل الأزرق قاعدة عقار نفسه. وكان انقساماً فادحاً تضرج بالدم في مواجهات جرت في النيل الأزرق. وجاء جناح عقار المهيض إلى مفاوضات السلام في جوبا كجزء من المركزي. فصار عقار باتفاق السلام عضواً بمجلس السيادة، وجعلوا لجناحه ولاية النيل الأزرق، بل ونائب الوالي على جنوب كردفان التي جبال النوبة جزء منها، علاوة على حصص أخرى في السلطة في الولايتين. من الجهة الأخرى، صار عرمان، الذي اختلف بدوره مع عقار واستقل بتنظيم ثالث للحركة الشعبية، عضواً مهاباً في المركزي يأمر وينهى ويغرد.
إذا صح أن ابتعاد الحلو المعزز من "قوى الحرية والتغيير – المركزي" راجع إلى خصومة 2017 في "الحركة الشعبية" وثاراتها فمعنى هذا أن اصطفافات الحركات المسلحة وتحالفاتها الحالية مما تصح قراءته على ضوء ما وقع بين رفاق السلاح في الغابة والجبل، فبصمة الشقاق انطبعت على وقائع ما بعد الانقسام إلى يومنا. وسبق أن قال حاكم ولاية دارفور، رئيس حركة تحرير السودان مني مناوي، أول قدومه بعد توقيع سلام جوبا، إن الجبهة الثورية لم تعد قائمة. وكان ذلك بمثابة حسن التخلص من جبهة جمعته طويلاً بمن لم يسعد بهم ربما. وانضمت أطراف من الجبهة الثورية إلى المركزي في حين اصطف مناوي مع الكتلة الديمقراطية.
يقول الأميركيون "ما وقع في لاس فيغاس يبقى فيها"، لكن لا ينطبق هذا على ما وقع بين رفاق السلاح في الجبل والغابة كما هو واضح.

* نقلا عن " اندبندت عربية"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.