مصر: الحوار الوطني وأحزاب صامتة
استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي
بعد نحو سنة من المداولات والنقاشات والاعتراضات جرى الإعلان عن بدء جلسات الحوار الوطني في مصر في الثالث من أيار (مايو) المقبل، وذلك بعد الاتفاق على الجهات والشخصيات المشاركة وكذلك على جدول الاعمال والموضوعات التي ستخضع للنقاش للوصول الى قواسم مشتركة يتم رفعها الى رئيس الجمهورية وإلى البرلمان والمؤسسات ذات العلاقة وتحديداً حول مخرجات الحوار بعد الانتهاء من اعماله.
الملاحظة الرئيسية التي فرضت نفسها أثناء وبعد الجلسات التحضيرية والاجرائية، هي غياب التأثير الحقيقي للاحزاب المصرية وكأنها رضيت أن تؤدي دوراً ثانويا بعد عقد كامل غابت فيه عن الساحة السياسية الا في محافل يتم دعوة رموزها لحضورها أو في الانتخابات البرلمانية أو الرئاسية تكتفي خلالها بما تناله من حظوظ من دون اهداف محددة. يكفي هنا الاشارة الى أن الحياة السياسية الصاخبة التي عاشتها مصر بعد اطاحة حكم تنظيم الاخوان الإرهابي خلت من فاعلية حقيقية لأي حزب سياسي، ولم يشهد المصريون مؤتمراً أو حتى تظاهرة يعلن خلالها موقف هذا الحزب أو ذاك. وطالما ظل التعبير عن الرأي والموقف والتوجه سلمياً من دون عنف أو تخريب أو فوضى أو خروج عن القانون، فإنه حق لا يمكن الجدال حوله، لكن هذا الحق لم يمارسه أي حزب ولو حتى من باب الظهور أو الحفاظ على الهوية أو الوجود.
لم ينس المصريون أن بعض رموز الاحزاب التقليدية القديمة في مصر كرروا على مدى سنوات مواقف تباعد بينهم وبين الجماهير، إذ ظهر احياناً أن اليساري والناصري والليبرالي فضلوا الوقوف في صف الإخوان حتى ولو بصورة غير مباشرة، بل أضيف إليهم من يطلقون على أنفسهم "أبناء مبارك" غضباً مما اعتبروه تخلي الرئيس عبد الفتاح السيسي عن الرئيس الأسبق حسني مبارك. وإذا كان الحكم يقع في أخطاء ويعاني صعوبات ومشاكل ومعضلات عدة، فإن المعارضة المصرية بأطيافها كافة، تقع في أخطاء أفدح وتعاني مشاكل أكبر على رأسها إصرارها على إعادة إنتاج الماضي من دون أن تدري أن المزاج العام تغيّر، والأوضاع على الأرض تبدلت، وموازين القوى الشعبية ليست في صالحها، وما كانت تقبله بعض فئات الشعب أو حتى تؤيده أو تدعمه أو تضحي من أجله لم تعد على الموقف نفسه منه، بل صارت تراه مدمراً، أو قل عبثياً.
وبغض النظر عن الأسباب التي دعت هذه القوى لذلك الاختيار، وسواء كان الدافع لديها سياسات الحكم، أو اعتراض بعض النخب على شخص الرئيس، أو التماهي مع رغبة الإخوان في الثأر ممن أطاح بهم وأزاحهم عن مقاعد السلطة، فإن غياب أي فعاليات لقوى المعارضة أو ظهورها وقد امتطاها الاخوان كشف حجم الهوة بينها وجموع الشعب، ليس فقط لأن عدد من يشاركون الرد على مواقف الحكم وسياساته يبدو دائماً هزيلا قياساً إلى أعداد المصريين، ولكن أيضاً لأن أهدافهم ظلت متناقضة، فالإخوان هدفهم المعروف للجميع وهو إسقاط الدولة كلها، كما أن إعادة استنساخ الماضي يعد دليلاً على عجز المعارضين عن ابتكار وسائل للاحتجاج، فما بالك بابتكار حلول للمشاكل في مصر ومعضلاتها.
ولا يصدق أصحابنا "الثوار" المعارضون لكل اتفاق وكل قرار وكل قانون وكل تصرف رسمي أن وجوه بعضهم قد حُرقت، وصار على أصحابها، إذا كانوا فعلاً يسعون للتضحية من أجل الوطن، أن يتنحوا عن الصورة، ويتيحوا الفرصة لغيرهم ليعارضوا من دون تاريخ يحوي سابقة أعمال مسيئة، فالحقيقة أن العزوف عن بعض رموز النخبة لأن رصيدهم من ثقة الناس قد نفد بسبب تصرفاتهم وتقلبهم وتنقلهم وتلونهم وتبديل ولاءاتهم وحساباتهم الخاطئة دائماً.
كثيرون من المصريين يعتقدون أن رموز النخبة لا يسعون إلا للحكم ولو على جثة الوطن، وأنهم في سبيل ذلك تحالفوا مع مبارك أو هادنوه قبل أن ينقلبوا عليه، ثم تماهوا مع المجلس العسكري ثم انقلبوا عليه بعدما رتبوا أمورهم مع الإخوان وتحالفوا معهم، أو تغاضوا عن فسادهم ثم انقلبوا عليهم بعد فشل الجماعة.
صحيح أن الإعلام الغربي ومواقع الإخوان الإلكترونية وقنواتهم تسعى كلها إلى تصوير كل موقف للمعارضة على انه موقف ثوري بامتياز! إلا أن الواقع أثبت أن الشعب ليست له دوافع للخروج على نظام الحكم وأن من يصيحون إما من الإخوان أو هؤلاء الذين اعتمدوا الاعتراض أسلوباً للعيش ووسيلة للحياة ممن كانوا ضد عبد الناصر والسادات ومبارك والمجلس العسكري ومحمد مرسي وعدلي منصور، وهم الآن ضد السيسي، وسيكونون ضد كل رئيس قادم ونظام آتٍ. يستطيع هؤلاء جذب أنظار وسائل الإعلام الغربية لكن سخرية المصريين منهم يظل تصرفاً لافتاً يجب أن يدفع "الثورجية" إلى التوقف ليسألوا أنفسهم، أي مسافة واسعة تفصلهم عن مصالح الناس. أما تلك الشتائم وهتافات السباب الخارجة عن كل أخلاق أو ذوق أو أدب على مواقع التواصل الاجتماعي، وتوجيه الشتائم عبر وسائل التواصل الاجتماعي للشعب الذي تخلى عن الثورة! فكلها مؤشرات على تزايد أزمة قوى المعارضة، غذ تجعل المسافة تتسع جداً بين رغبتها في إسقاط الحكم وبين فئات الشعب، أو قل حزب الدولة الذي يتمسك بالحكم.
معضلة الاحزاب المصرية انها ابتعدت عن السياسة وركز القائمون عليها على المصالح أو خوض المعارك الشخصية وتصفية حساباتهم مع الحكم أو حتى الشعب، فصرنا نلحظ اصابتها بالخرس، أو ننبهر بمواقف ذلك اليساري الذي يناصر الإخوان، والناصري الذي يعترض على تدخل الدولة في الاقتصاد، والليبرالي الذي تفرغ للاساءة الى الازهر والمؤسسات الدينية.
* نقلا عن "النهار"