المرشدُ الأعلى لن يسمحَ لـ"المتشدّدين" بعرقلةَ التقارب الإيراني – السعودي!
استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي
عبر عقود كانت أنشطة "الحرس الثوري" الإيراني الخارجية أحد العوامل الرئيسة المؤدية إلى اضطراب العلاقات بين إيران ودول الخليج العربية، لما سببته هذه الأنشطة من مشكلات أمنية وسياسية.
كان لـ"فيلق القدس" وقائده السابق قاسم سليماني، عمله الواضح في العراق وسوريا ولبنان، كما شملَ اليمن وبعض دول مجلس التعاون الخليجي، من خلال عمليات التدريب العسكري، والدعم المالي واللوجستي، وتهريب السلاح، وتقديم المشورات في العمليات الأمنية التي كانت تدار، وسبق الكشف عن بعضها في أوقات سابقة.
أيضاً، عدد من قادة "الحرس الثوري"، كانت لهم تصريحات عدائية ضد المملكة العربية السعودية تحديداً، حتى في الأوقات التي كانت "الخارجية الإيرانية" تسعى فيها إلى الحوار مع السعودية وتقليل مستويات التوتر، كان بعض قادة "الحرس" يهددون بقصف المنشآت الحيوية في المملكة، ويتهمونها بأنها تقف خلف الاضطرابات الحاصلة في إيران.
هل يلتزمُ الحرس؟
الباحث في الشؤون الإيرانية حسن فحص، أشار إلى هذه المشكلة التي تتمثل في تدخل "العسكر" في السياسة، مبيناً أنه "لعل خيار الذهاب إلى الحوار والتمسك بضرورة تسهيل عملية التوصل إلى اتفاق مع السعودية، وتكليف أمين المجلس الأعلى للأمن القومي علي شمخاني بقيادة مرحلة الانفتاح على المحيط العربي يشكل واحداً من هذه الخيارات، لأنه في الأقل جاء على عكس رغبة بعض قيادات الصف الأول للحرس الذي حاول تغطية فشله في التعامل مع الاحتجاجات بتوجيه الاتهامات إلى القيادة السعودية بالتدخل في الشؤون الداخلية وتأجيج الصراع الداخلي الإيراني، وعبرت عن ذلك تصريحات قائد الحرس حسين سلامي حين هدد بشن هجوم على السعودية، أو في مواقف قائد قوة القدس إسماعيل قآني الذي استخدم تعابير خارج اللياقة والآداب في وقت كان وزير خارجية الحكومة حسين أمير عبد اللهيان يؤكد رغبة بلاده في التوصل إلى اتفاق مع السعودية لإنهاء حال التخاصم والتوتر القائمة بينهما".
ما قدمه فحص من تحليل، يدفع إلى السؤال الآتي: هل ستعمدُ قيادات "الحرس الثوري" إلى تعطيل الاتفاق السعودي – الإيراني؟
حتى الساعة، يبدو أن مختلف القيادات السياسية والعسكرية والأمنية ملتزمة "التفاهم السعودي – الإيراني"، وهي لن تعمل وفق المعطيات الحالية على إضعافه أو إفشاله، من دون أن يعني ذلك رضا جميع القوى الداخلية التام عنه، إلا أنها ستلتزمه – وإن مرحلياً – هذه المرة.
ما الذي يدفع نحو ذلك؟ السرّ هو أن المصالحة بين إيران والسعودية جاءت بقرار أعلى، صادر من مرشد الثورة علي خامنئي، وبالتالي لن تتجرأ حتى القيادات المتشددة الممتعضة على معارضته، لأنه سيظهرها في صورة المخالفة لأوامر "الولي الفقيه"، في الوقت الذي تقول إنها تدين بالطاعة والولاء له.
إن أهم مركزي قوى في الوقت الحالي هما: مكتب مرشد الثورة، والحرس الثوري، وكلاهما متوافقان على أهمية إنجاح المساعي الإيرانية لتخفيف حدة التوترات مع دول الجوار، خصوصاً أن "الحرس" ليس من مصلحته معارضة قرارات المرشد الأعلى خامنئي.
أطراف داخلية فاعلة كجماعة "الثابتون – بایداریها"، التي كانَ رجل الدين الراحل مصباح يزدي بمثابة المرشد الروحي لها، وأبرز شخصياتها عضو "مجمع تشخيص مصلحة النظام" سعيد جليلي، هذا التيار، رغم تصلبه في المواقف السياسية، سواء في ما يتعلق بـ"المفاوضات النووية" أم بإدارة العلاقات مع دول الجوار العربي، إلا أنه هو الآخر لن يتجرأ على العصيان العلني لأمر المرشد الأعلى، فضلاً عن أن تأثير جليلي في الأداء السياسي بدأ بالتراجع شيئاً ما، مع صعود شخصيات أخرى حتى داخل البيت "الأصولي" كوزير الخارجية أمير حسين عبداللهيان، والأدوار التي باتت تقوم بها شخصيات مثل كمال خرازي وعلي شمخاني، وهي مهام أوكلت إليهم بموافقة مباشرة من قائد الثورة علي خامنئي.
ترتيب البيت الداخلي!
أمرٌ آخر، يبدو أن المرشد خامنئي يدرك أن الوقت حساسٌ للغاية، وأن العلاقة مع السعودية ودول الجوار العربي إذا لم يتم إصلاحها في عهده وبقرار حاسمٍ منه، فإن "الولي الفقيه" الذي سيأتي من بعده لن يستطيع القيام بذلك، لأنه سيكون في موقع أضعف، ولديه الكثير من الملفات الداخلية المعقدة التي تحتاج لأن تُحل، وشبكة تحالفات مع القوى النافذة ستمنعه من تحقيق التوازنات الدقيقة الخارجية.
وجود شخصية مثل إبراهيم رئيسي في سدة رئاسة الجمهورية في إيران، هو أيضاً عامل سيدفع باتجاه استقرار الاتفاق بين الرياض وطهران، لأن مؤسسات الدولة الآن: مكتب المرشد، رئاسة الجمهورية، مجلس الشورى، مجلس خبراء القيادة، مجلس تشخيص مصلحة النظام، والمجلس الأعلى للأمن القومي، جميعها تحت مظلة "الولي الفقيه" ومن خط سياسيٍ مقرب منه، وإن اختلفت في بعض الآراء والتفاصيل.
إبان فترة رئاسة حسن روحاني للجمهورية الإسلامية في إيران، كان بإمكانه تقريب وجهات النظر بين بلاده والمملكة العربية السعودية، إلا أن المتشددين لم يكونوا ليمنحوه هذه الفرصة، لأنهم لا يريدون لشخصية معتدلة أن تحقق مكاسب لمصلحتها ومصلحة التكنوقراط والوسطيين والإصلاحيين في إيران. على العكس من ذلك هذه المرة، لن يضعوا العراقيل الثقيلة أمام إبراهيم رئيسي، لأن إنجاحهم له – وإن اختلفوا معه – هو نجاح سيصب في خانتهم أيضاً، وسيدعم شخصية يتكرر اسمها كثيراً كمرشد قادم في حالِ شغورِ المنصب الحالي... كما أن تباين الآراء بين مجموعات من "الأصوليين" ورئيسي، تعتبر خلافات داخل البيت الواحد، ويمكن بشكل أو آخر ضبطها والتقليل من حدتها.
هل يعني ذلك أنه ليس هناك معارضون للتقارب السعودي – الإيراني؟ على الأغلب هنالك بعض "صقور المتشددين"، لكنهم اليوم صامتون بقوة حكم "الولي الفقيه". لذا، سيبقون في أماكنهم، لأن أي ظهور علني معرقل منهم، سيجعلهم في مواجهة مع مكتب مرشد الثورة، ما سيعني الحد من نفوذهم الذي يتمتعون به اليوم!
لقد اتخذ المرشد الأعلى علي خامنئي القرار، ويبدو أنه عازم على إنجاح مساعي الفريق المكلف بتحسين علاقات إيران الخارجية مع دول الجوار العربي. لذا، لن يسمح للشخصيات الأكثر راديكالية بأن تقف في وجه التغيير الذي خطط له ويريده أن يتم، حتى لو كلف ذلك إحالة بعض الضباط إلى التقاعد، أو سلب بعض الشخصيات صلاحياتها.
* نقلا عن " النهار"