تراجع العولمة.. الصين وتغير توازنات القوى العالمية

 عمرو حلمى
عمرو حلمى
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط

استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي

0:00

على الرغم من إجماع العديد من الأوراق البحثية- التى صدرت إثر تفجر أزمة COVID-19، عن مجموعة من مراكز الأبحاث السياسية والاستراتيجية- على أنه من المتوقع أن يشهد العالم محاولات جادة تهدف إلى كبح جماح العولمة والحد من بعض آثارها السلبية، وذلك فى إطار ما يُطلق عليه Deglobalisation، فإن العولمة، فى حقيقه الأمر، ومنذ عدة عقود، ونتيجة لتطور التكنولوجيات فائقة السرعة وتزايد اندماج الأسواق الدولية.

أصبحت واقعًا لا رجعة فيه irreversible، لذا فإن ما يمكن توقعه يكمن فى محاولة إعادة النظر فى بعض مسارات سلاسل الإمداد أو الـsupply chains، بعد أن ثبت أن الاستثمارات الأجنبية- التى تدفقت على الصين، والتى كانت فى بادئ الأمر تهدف إلى الاستفادة من المزايا النسبية أو الـcomparative advantages، التى تتعلق بانخفاض تكاليف العمالة.

ثم تغيرت نوعياتها بهدف الاستفادة من المزايا التنافسية أو الـcompetitive advantages المتصلة بالطاقة الاستيعابية الهائلة للسوق المحلية وكفاءة وانضباط العمالة وارتفاع المستوى العلمى للفنيين- قد أسهمت فى التحول التدريجى للصين إلى أن أصبحت أكبر قاعدة للإنتاج والتصنيع على مستوى العالم، والتى تمتلك التأثير فى قدرات الشركات العالمية على التحكم فى إنتاج العديد من المنتجات فى قطاعات بالغة التطور.

بعد أن تم ترحيل العديد من الصناعات وبعض مكوناتها الرئيسية إليها، إذ تُقدر قيمة الاستثمارات الأمريكية فى الصين بحوالى ١٦٣ بليون دولار، منها ١١ بليون دولار خلال عام ٢٠٢٢ وحده، كما تُقدر قيمة استثمارات دول الاتحاد الأوروبى فى الصين بحوالى ١٤٠ بليون دولار.

ونظرًا لأن العالم يشهد حاليًا ما يطلق عليه «عصر التنافس بين القوى الكبرى»- أوThe Age of Great Power Competition، والذى يدخل فى نسيجه الحرص الأمريكى على الحفاظ على الريادة والإبقاء على أحادية القطبية.

التى تضمن للولايات المتحدة الأمريكية الاستمرار فى الحفاظ دون منافس على وضعية القوة العظمى الوحيدة فى العالم- فقد تزايد إدراك أن الاستثمارات الأمريكية والغربية وفتح أهم الجامعات ومراكز الأبحاث العلمية فى مختلف الدول الغربية أمام الطلبة والباحثين الصينيين واستحواذهم على أكثر المعارف تطورًا من أفضل مصادرها يأتى ضمن العوامل التى أسهمت فى تحول مكانة الصين من دولة فقيرة إلى واحدة من أهم القوى العالمية اقتصاديًّا وعلميًّا وتكنولوجيًّا.

خاصة بعد أن نجحت الصين فى تخطى مكانة الولايات المتحدة الأمريكية وألمانيا واليابان، كأولى وثانية وثالثة كبرى الدول المصدرة على مستوى العالم، إذ أصبحت تحتل مكانة الدولة الأولى على مستوى العالم من حيث قيمة صادراتها، التى بلغت عام ٢٠٢٢ ما يقرب من ٣.٦ تريليون دولار، مقارنة بالولايات المتحدة الأمريكية، التى بلغت قيمة صادراتها ٢.٦ تريليون دولار، وألمانيا بصادرات تُقدر قيمتها بـ١.٥ تريليون دولار.

واليابان بقيمة صادرات تصل إلى ٩١٠ بلايين دولار، الأمر الذى يرجع فى جانب منه إلى قيمة صادرات المشروعات الاستثمارية الغربية المتوطنة فى الصين، والتى مكّنتها أيضًا من أن تصبح أكبر دولة منتجة للصلب والأسمنت والتليفون المحمول وبناء السفن والحاويات على مستوى العالم، وتقوم بإنتاج ثلثى الإنتاج العالمى من آلات التصوير وأفران الميكروويف والأسطوانات المدمجة، وهى فى ذات الوقت أكبر سوق فى العالم للمشروعات الإنشائية.

وتتمتع بمكانة متزايدة فى إنتاج الإلكترونيات والحاسبات الآلية المتطورة وأجهزة التليفزيون ومختلف نوعيات الطاقة النظيفة والمتجددة وصناعة السيارات ومكوناتها ووسائل النقل التقليدية والكهربائية ومستلزمات المنازل وصناعة الأثاث والمنسوجات والملابس الجاهزة والصناعات الهندسية والأقمار الصناعية، بالدرجة التى مكّنتها من زيادة قيمة صادراتها للسوق الأمريكية بنسبة ١٧٠٠% خلال الأعوام الخمسة عشر الماضية.

وهو ما أدى إلى تواصل ارتفاع قيمة العجز التجارى الأمريكى مع الصين ليصل إلى ٣٨٢ بليون دولار عام ٢٠٢٢، وهو أكبر عجز تجارى أمريكى مع أى من دول العالم، فضلًا عن عجز تجارى لدول الاتحاد الأوروبى مجتمعة مع الصين يُقدر بـ١٦٤ بليون دولار، يُضاف إلى ذلك امتلاك الصين أكبر احتياطى من النقد الأجنبى على مستوى العالم، بلغت قيمته عام ٢٠٢٢ ما يُقدر بـ٣.٤٦ تريليون دولار مقارنة بـ١.٢ تريليون لليابان، و٣١٠ بلايين دولار لدول الاتحاد الأوروبى مجتمعة، وبالتوازى مع ذلك يشهد الإنفاق الصينى العسكرى تزايدًا مطردًا.

إذ بلغ وفقًا لميزانيتها لعام ٢٠٢٣ ما يعادل ٢٢٤.٧ بليون دولار، وهو ما يتزامن مع امتلاكها أكبر جيش فى العالم، المزود بأكثر أنظمة التسلح تطورًا وبترسانة هائلة من أسلحة الدمار الشامل ووسائل إيصالها، وهى تطورات تأتى ضمن بواعث القلق الغربية من تزايد الثقل الاستراتيجى للصين، والذى يصاحبه تصاعد الريبة من حقيقة أهداف مشروع الحزام والطريق Belt and Road، الذى يسمح لها بالاقتراب من أهم ممرات الملاحة البحرية العالمية والتوسع فى أنشطتها الدبلوماسية وفى نطاق تعاونها مع عدد كبير من دول العالم.

ومن الملاحظ أن تصاعد ثقل الصين لا يزال، ومنذ بضعة عقود يتم تصنيفه ضمن أخطر التحديات التى تواجه الولايات المتحدة الأمريكية والغرب بأسره، حيث أكد تقرير «المخاطر»، الصادر فى ٦ فبراير ٢٠٢٣، عن أجهزة الاستخبارات الأمريكية The U.S Intelligence Community، أن الحزب الشيوعى الصينى يواصل جهوده من أجل تحقيق رؤية الرئيس Xi Jinping.

التى تهدف إلى جعل الصين قوة عظمى على المسرح العالمى ومواصلة تعظيم قدراتها على التحكم فى منطقة شرق آسيا والسعى إلى ضم تايوان مع محاولة استخدام العمليات السيبرانية، التى يمكن أن تهدد الأمن القومى الأمريكى، خاصة أنها تواصل تطوير إمكاناتها من الذكاء الاصطناعى وتحليل المعلومات Artificial Intelligence (AI) and big data analytics.

التى تتوسع فيها لأبعد من حدود الاستخدام الداخلى المحلى بما يمثل تحديًا للقدرات التنافسية التكنولوجية للولايات المتحدة، حيث تعزز الصين من إمكانياتها العلمية والتكنولوجية، التى يمكن أن تسمح لها بمحاولة اختراق القطاعات الرئيسية للولايات المتحدة وللشركات وللمؤسسات الأمريكية، لذا فإن الخلافات الأمريكية مع الصين لا تنحصر فى التحديات الناجمة عن تصاعد العجز التجارى الأمريكى معها.

إذ تذهب إلى أبعد من ذلك بكثير، حيث تدخل فى إطارها قضية تايوان وتزايد نفوذ الصين فى منطقة شرق آسيا وتغلغلها فى القارة الإفريقية وعلاقاتها مع روسيا واتساع نطاق دبلوماسيتها فى منطقة الشرق الأوسط ومبيعاتها من أنظمة التسلح وتعاظم قدراتها العلمية والتكنولوجية.

فالعالم يبدو مقبلًا على الدخول فى مرحلة جديدة من التحولات فى توازنات القوى، وذلك نتيجة لمجموعة من العوامل، منها الصعود المتواصل فى ثقل الصين، والتداعيات المتوقعة للحرب التى تشهدها أوكرانيا والصدام القائم فى إطارها بين الغرب وروسيا، وهى تطورات يمكن أن تمهد لتراجع حدة «أحادية القطبية» والتآكل التدريجى لـ«احتكار الغرب» للقوة والثروة والنفوذ والقدرة على التأثير.

الذى ساد العالم منذ انهيار وتفكك الاتحاد السوفيتى عام ١٩٩١ ونهاية الحرب الباردة.. فالصين تحاول بالفعل تحدى الريادة الأمريكية، وتسعى إلى التفوق على الديمقراطيات الغربية بنموذج سياسى واقتصادى مختلف.. والديمقراطيات الغربية كما يبدو استنزفت جهدًا طائلًا من أجل محاولة إعادة رسم الخريطة السياسية لمنطقة الشرق الأوسط، وأهملت الالتفات إلى ما يجرى فى منطقة شرق آسيا لفترة زمنية طويلة.

ويبدو أنها جاءت متأخرة لتفاجأ بواقع لا تمتلك إلا أن تقبله، خاصة أنه لا يمكنها تصور قدرتها على أن تعيد الصين إلى ما كانت عليه فى أوائل الثمانينيات من القرن المنصرم، أو أن تدفع القيادة الصينية إلى التهور والانزلاق فى مواجهة عسكرية.. فالصين قد انطلقت، ولن تسمح بأن تلحق بروسيا الهزيمة التى ينشدها الغرب فى أوكرانيا، وعلى الغرب أن يتعامل بحكمة مع هذا الواقع دون مبالغة فى تصور قدراته على تغيير الأمور.

* نقلا عن " المصري اليوم "

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة
  • وضع القراءة
    100% حجم الخط