المُسمَّى أولًا

حلمي النمنم
حلمي النمنم
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط

استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي

0:00
8 دقائق للقراءة

حين كانت وقائع ثورة ١٩ تجرى على الأرض وفى شوارع مصر، من القاهرة والإسكندرية وسائر المدن لم يكن أطراف العملية، أعضاء الوفد الذين بادروا بالتوجه إلى المعتمد البريطانى، يطلقون عليها مسمى «ثورة»، ولا ورد بخاطر الزعماء أن يقوموا بثورة.

كانوا جميعًا من أعيان المصريين وتولوا مسؤوليات ومناصب رفيعة من قبل، شخصيات بهذه الخلفية وذلك التاريخ لا بد أن يكونوا مع استقرار وثبات الأوضاع، أىّ اهتزاز اجتماعى أو سياسى يمكن أن يؤثر سلبًا على مراكزهم، وهو ما تحقق بالفعل مع اشتعال الأحداث، تعرضوا لكثير من المضايقات ثم النفى وتحديد الإقامة.

ما كانوا مشغولين بتسمية ما هم فيه ولا ما يقومون به، ولعلهم لم يكونوا من الذين يحبذون القيام بثورة.

هم كانوا فى إطار الرد على التعنت البريطانى ورفض الاعتراف بحق مصر والمصريين فى الاستقلال، بعد انتهاء أحداث الثورة وصدور الدستور سنة ١٩٢٣ ثم إجراء الانتخابات البرلمانية فى العام التالى وتشكيل حكومة الشعب، بدأ الحديث عن الثورة، قيل كذلك الثورة الشعبية، وتم اعتماد تلك التسمية إلى يومنا هذا.

نفس الأمر يبدو فى ثورة مايو١٨٠٥، لم تكن اللغة العربية عرفت بعد مصطلح «ثورة» كمرادف للمطالبة برفع الظلم ونيل المطالب الاجتماعية والسياسية وحتى التمرد على الحاكم (ولى الأمر)، كان كل ذلك يدخل فى باب «الفتنة» التى يجب تركها نائمة وملعون من يعمل على إيقاظها، ولم يكن عمر مكرم من أنصار التمرد أو معاداة السلطات «أولو الأمر».

تحرك الأهالى وهو معهم، احتجاجا على فرض المزيد من المكوس، أى الضرائب والرسوم بمفهومنا حاليا، وكان مثل هذا الاعتراض يتكرر دوما ويتوسط العلماء بين الأهالى والوالى فى القلعة أو كبار المماليك، عادة كان الوالى والمماليك يستجيبون وتتم تهدئة الأمور، ولو أن الوالى فى سنة ١٨٠٥، استمع قليلًا، لتغيرت الأمور، لكنه أبى ورفض دور الوسطاء الذى اعتاد العلماء القيام به.

جاء رفضه من قاعدة أن «الفلاحين»، أى المصريين، ليس لهم أن يطالبوا بأى شىء، وتطورت الأمور إلى حد المطالبة بعزل الوالى، ورغم أنهم نجحوا فى عزله، لكنهم لم ينشغلوا بتسمية ما حدث، التسميات جاءت بعد ذلك، من الأجيال التالية ومن المؤرخين والدارسين.

سوف نلاحظ أن عبد الرحمن الجبرتى رصد كل التحركات الجماهيرية فى الربع الأخير من القرن الثامن عشر، بما فيها ما جرى أثناء حملة بونابرت ثم ما بعدها مع تولى محمد على وما بعدها مباشرة، لكنه لم يطلق على أىّ منها مسمى ثورة ولا أىّ من التسميات التى نعرفها الآن، ناهيك عن أنه لم يكن متعاطفا مع كثير منها ورمى القائمين بها بأبشع الصفات، خاصة ثورة القاهرة الثانية ضد الحملة زمن الجنرال كليبر.

باختصار لا تقوم الثورة بقرار أو نية مسبقة، تستطيع أن تتهيأ للصلاة بالوضوء ثم تنوى، ويمكنك كذلك أن تعد للقيام برحلة أو حفلة، لكن الثورات شأن مختلف، لا تقوم بنية وقرار مسبق، تفرضها الأحداث، عن غير توقع، وربما عن غير رغبة بعض أطرافها، مثلا تحولت احتجاجات سنة ١٩ إلى ثورة كبرى بينما ظلت مظاهرات سنة ١٩٣٥ فى نطاق الانتفاضة، أحد الأسباب الرئيسية أن الإنجليز سنة ٣٥ كانوا أقل غطرسة، استوعبوا درس سنة ١٩، لذا أعلنوا الاستعداد للتفاوض مع المصريين، فكانت معاهدة سنة ١٩٣٦.

يمكن أن نقارن كذلك وقائع يناير ١٩٧٧ فى مصر بوقائع يناير ٢٠١١، فى الأولى استجاب الرئيس السادات بسرعة وسحب كل القرارات التى أغضبت الشارع، وتمت التضحية بنائب رئيس الوزراء د.عبد المنعم القيسونى واعتبر كبش فداء، رغم إشادة الرئيس السادات به قبل ذلك فى خطاب عام، وبناء على ذلك تحرك المشير الجمسى طبقا لتكليف الرئيس وسيطر على الشارع.

فى يناير ٢٠٢١، كانت ردود فعل الرئيس مبارك بطيئة جدا ومترددة، وبدا عدم الحسم فى المواقف، الرئيس يقرر شيئًا ثم يكون هناك من يحاول الالتفاف على القرار، قرار تعيين اللواء عمر سليمان نائبًا للرئيس نموذجا، صدر القرار متأخرًا جدا جدا، ثم فاجأ وزير الخارجية السفير أحمد أبو الغيط الجميع حين كشف عن تعرض الرجل لمحاولة اغتيال غامضة جدا، إلى اليوم، فى المسافة بين مقر المخابرات العامة وقصر الاتحادية، بإزاء هذا كله طالت أيام المظاهرات وازدادت حدتها، فصارت ثورة.

السهولة التى مضت بها الأيام، حتى ١١ فبراير، رغم بعض المصاعب وخروج الرئيس مبارك من المشهد سريعًا، جعل البعض يتصورون أن الذهاب إلى الثورة كالذهاب إلى حفلة استقبال فى آخر النهار، فى السنوات الأخيرة لا يكاد يمر عام دون دعوة إلى القيام بثورة- كذا- ثم لا تكون هناك استجابة من المواطنين بالمرة، آخرها ما كان يوم ١١/١١ من العام الفائت.

ويتصور البعض أن قوة أو سطوة الجهات الأمنية هى التى تحول دون خروج المواطنين وتعطل قيام الثورات، لذا يتصور البعض أن اغتيال وزراء ورجال الداخلية يعجل بقيام الثورة، رغم أن الشواهد التاريخية تثبت العكس، كان رجال البوليس والقوات البريطانية غاية فى الشراسة قبل وأثناء ثورة ١٩، رصدت بعض الكتب ما قام به جنود الإنجليز ورجال البوليس، يكفى أنهم أطلقوا مدافعهم على المتظاهرين أمام جامع الحسين وأصاب رصاصهم المسجد ذاته، وأطلقوا رصاصهم على السيدات.

فى روايته «المرايا» قدم نجيب محفوظ نموذج أحد رجال البوليس، وما قام به ضد الشبان الصغار الذين خرجوا ينددون بالإنجليز.

نعرف جميعًا أن التلميذ جمال عبدالناصر حسين وعددا من زملائه فى المدرسة الثانوية أصيبوا إصابات بالغة فى إحدى المظاهرات سنة ٣٥، كان العنف إلى هذه الدرجة ضد تلاميذ صغار، لم يكن ذلك مفاجئًا لأحد ولا كان مخيفاً ومانعًا للثورة أو الانتفاضة، لكن كان هناك دافع وطنى أقوى لدى هؤلاء التلاميذ وغيرهم من طلاب المدارس العليا وأبناء مصر عموما.

ولماذا نذهب بعيدا، الذين ملأوا شوارع وميادين مصر المحروسة فى ٣٠ يونيو ٢٠١٣، تحركوا رغم وجود ميليشيات الإخوان (جماعة حسن البنا) فى كل مكان، ورغم تهديدات القتل العلنية من رموز الجماعة لكل من يخرج، وكانوا قدموا تجربة سابقة فى التعامل الإجرامى مع من يتظاهرون ضدهم، كان ذلك فى أحداث الاتحادية، ديسمبر ٢٠١٢.

رغم ذلك خرج المواطنون إلى الشارع، باختصار القول إن القبضة الأمنية تحول دون قيام المظاهرات أو تحركات الجماهير، غير مقنع، ليس بالنسبة لمصر وحدها، لكن فى العديد من الدول، القبضة فى مصر سنة ٢٠١١، لم تكن تقاس بنظيرتها فى تونس زمن الرئيس زين العابدين بن على، وهناك نماذج أخرى عديدة فى محيطنا العربى وفى الإقليم كله.

الناس لا تتحرك وفق نداء يصدر إليهم من طامع فى السلطة أو راغب فى الكيد لها والتنفيس عن إحن وأحقاد أو ثارات خاصة، لم يطالب أحد المصريين بالخروج احتجاجا على نفى سعد زغلول وصحبه، جاء التحرك تلقائيا لدافع وطنى وإنسانى فى المقام الأول، قبل سعد زغلول كان من المعتاد أن تنفى السلطات البريطانية أو المصرية مواطنًا لأسباب عديدة، لخطورته، ربما عقابًا على جرم ما أو لتجاوز ما فى حق المسؤول، السلطان أحمد فؤاد نفى بيرم التونسى بسبب قصيدة مس فيها شرف زوجة الملك، خاصة عقب إنجاب ولى العهد الأمير فاروق.

عادةً كان يمر قرار النفى عابرًا، وأحيانا لا يجد من تعرض للنفى تعاطفًا كبيرا أو اهتمامًا عامًا، كما هو الحال مع بيرم التونسى، ذلك أن الخوض فى عرض سيدة موضع استهجان أخلاقى، حتى لو لم تكن هذه السيدة أو زوجها موضع حب من الكثيرين.

مع سعد باشا وصحبه اختلف الآمر، كان النفى لأنهم طالبوا بالاستقلال، وكان ذلك المطلب يجد تجاوبا واسعا من عموم المواطنين، لم يخرج عنه إلا قلة، لم يكن لها صوت مسموع، فضلا عن ذلك كان سعد زغلول ومن معه كبار السن، ولم يكونوا يتطلعون ولا يسعون إلى أى مغنم ولا مكسب شخصى، كان لدى كل منهم ما يكفيه وزيادة، تاريخا وحاضرًا، كانوا فى نهاية العمر ولم يترددوا فى اقتحام المخاطر دفاعا عن استقلال مصر والمصريين، وما كان يليق التخلى عنهم وعن البلد.

الثورات لا تطلب «دليفرى» وليست لعبة للتسلية أو حفلا عامًّا، ومن ثم ليست هناك مهنة أو حرفة ثائر، تمارس فى أى وقت ولا بالطلب ولا نظير أجر مدفوع مسبقًا، هى فعل جماهيرى كاسح، تلقائى، قد يبدأ من حادث بسيط، لكنه يتطور بسرعة ويتحرك لغرض عام، يمس حياة ومصير الجموع، بل يتعلق بهويتهم وإنسانيتهم، شريطة أن تكون كل السبل والوسائل قد استنفدت لتحقيق ذلك الغرض.

الحديث ممتد.

نقلاً عن المصري اليوم

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.