معضلة "تأهيل المتطرفين"

فهد سليمان الشقيران
فهد سليمان الشقيران
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط

استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي

0:00
5 دقائق للقراءة

تُفرض تحديات تأهيل المتطرفين على الأرض وبخاصة لدى الحكومات التي اكتوت بلدانها بنيران التطرف. فهي معضلة مركبة وآية ذلك أن المؤلفات حول هذا الموضوع لا تزال تطرح. من هنا جاء هذا المقال ليعرض أحدث الكتب المطبوعة قبل أيام عن مركز المسبار للدراسات والبحوث.

يتناول مركز المسبار للدراسات والبحوث في كتابه المعنون: «تأهيل المتطرفين في مصر: النماذج والتحديات» (الكتاب الخامس والتسعون بعد المائة، مارس «آذار» 2023)، تجربة الدولة المصرية في إدماج المتراجعين من متطرفي الجماعات الإسلاموية في المجتمع، مروراً بما سُمّي «المراجعات» الفكرية لجماعات العنف والإرهاب الإسلاموية في العقود الماضية، عبر رصد نموذَجي الجماعة الإسلامية وتنظيم الجهاد وأوجه القصور في الحد من العنف، وآليات التحديث المطلوبة لهذه «المراجعات».

عرض الباحث المصري أحمد شلاطة؛ في فاتحة الكتاب، الخطوط العامة لاستراتيجيات مكافحة الإرهاب؛ مع التركيز على المسارات «الاستباقية» و«المتوازية مع الحدث الإرهابي»، ثم التالية للمواجهات. أعادت الدراسة النظر في فاعلي الإرهاب والموقوفين؛ فقيّمت البرامج، وطرحت سيناريوهات أوضاعهم بعد المحاكمة، وسبل دمجهم في المجتمع. تحدد الدراسة أزمات التطبيق، وتحدّيات برامج المكافحة، موصية بضرورة «إنتاج معالجات أكثر قدرة وكفاءة في التعامل مع العوامل المركبة المفضية لإنتاج الإرهاب».

تناول المستشار القانوني المصري حسين حمودة مصطفى، سردية «إعادة إدماج عناصر التنظيمات الإرهابية في الحالة المصرية»؛ انطلاقاً من تقويم مفهوم الاندماج نفسه من زاوية دراسات الأمن الفكري؛ متتبعاً أسباب وصول المتطرف لمرحلة الاندماج، فيربط نجاحها بالطريقة التي انتهى بها الفعل الإرهابي؛ عبر واحدة من المسارات الثلاثة: الهزيمة نتيجة الضغط، التفكك، إغراء الاندماج داخل النظام السياسي. ركّزت الدراسة على محاولة إعادة إدماج التائب من الإرهابيين والمتطرفين، وأقرّت بالمشكلات أو العقبات في استراتيجيات الدّمج الفوقي أو البراغماتي؛ فتتبعتها في مصر، منذ عهد الملك فؤاد، وبعد ثورة يوليو (تموز) 1952؛ مروراً بمراحل في عهد الرئيس جمال عبد الناصر، والرئيس أنور السادات الذي شهد عهده محاولة دمج مطعّمة بأهداف سياسية؛ انقلبت نتيجتها وأدت إلى اغتياله. ثم تناول الباحث محاولات دمج التائب من الجماعات الإرهابية في عهد الرئيس حسني مبارك، التي على نجاحها المحدود، ارتكست بعد ردِة الجماعة الإسلامية التي لحقت بـ«الإخوان» في تبنّي مواقف انتهت بها إلى أن أُدرجت عام 2018 على قوائم الكيانات الإرهابية. تضمنت الدراسة شهادة من رجال الأمن والمفكرين، على رأسهم اللواء فؤاد علام؛ الذين فرّقوا بين إدماج جماعة الإخوان الإرهابية؛ والجماعات الإرهابية الأخرى، في التاريخ المصري.

قدّم أستاذ الطب النفسي محمد المهدي دراسة تقييمية للتجربة المصرية في دمج المتطرفين؛ عبر تشريح منهج تحفيز العقل المتطرف، وبحث نمط التدين الصراعي؛ الذي يتبنى الرؤية الأحادية، ويعتمد الوثوقية الإقصائية، والتعبد بمفاهيم التقية والسريّة واليأس والعنف، وتقديس الخطوات نحو العزلة الشعورية، التي يحميها بالمبالغة في الدفاعات النفسية، كالإنكار والتبرير والتهويل والإزاحة، واستدعاء الكراهية والمحنة والمظلومية والاضطهاد. أبرز الباحث استراتيجيات تفكيك هذه التطرفية المفرطة، في بيئة السجون، التي يحذر من إمكانية تحولها إلى محضن تجنيد وترسيخ، ما لم تؤخذ خطوات التأهيل الإيجابي، عبر برامج يعمل عليها المتخصصون في علم النفس والاجتماع والتربية، مفصّلاً ملامح تطور التجربة المصرية منذ أواخر التسعينات، كما عرض جهود مؤسسة الأزهر الشريف ودار الإفتاء المصرية، في مواجهة التطرف، مع توصية حول ضرورة «تدريس أدب الخلاف الديني والفكري والسياسي الاجتماعي ضمن المناهج الدراسية» لتطوير المواجهة الشاملة.

لاحظ الباحث والخبير المصري حسن محمد في دراسته، أن برامج الدمج يجب أن تأخذ في الاعتبار، الخصوصية المجتمعية والتاريخية للمستهدفين، وانطلق من ذلك باستحضار التجربة المصرية، منذ التسعينات من القرن المنصرم، شارحاً هياكل ومؤسسات الدمج وإعادة التأهيل وجانبها الفكري والآيديولوجي؛ بالتركيز على الرعاية الاجتماعية اللازمة لعمليات الدمج والتأهيل. حاول الباحث عكس مراحل التجنيد؛ بدءاً من فكّ ارتباط المتطرف بجماعته؛ وإيجاد الحاضنة البديلة؛ وإعادة بناء الثقة في المجتمع لكسر جدران العزلة الشعورية التي استثمرت فيها التنظيمات المتطرفة.

تشير الدراسة إلى المؤسسات العامة والدينية المشاركة في هذه العمليات، وعلى رأسها مراكز البحوث، ومؤسسات استشعار التطرف، والأزهر الشريف؛ للمساعدة في التأهيل، وتصحيح المفاهيم الداعية للموت وبناء المفاهيم الحيوية. اعتبر الباحث أنّ توظيف المتطرفين في سلك مكافحة التطرف، يقدم لمحة مفيدة، داعياً إلى رعاية برامج «العائدين من التطرف»، وتعزيزها، لإنجاح الإدماج؛ وتحويل التائب، إلى عضو مفيد في مجتمعه الذي يعود إليه، يثري مسار المحتوى البديل؛ عارضاً مجموعة الخطوات الرعائية الاجتماعية التي تحتاج إليها العملية لكي تنجح.

وفي الجانب العملي، المباشر، ناقش الباحث المصري ماهر فرغلي، تجربة اندماج الجماعة الإسلامية المصرية، بالتركيز على جانب المراجعات التي انطلقت عام 1997؛ برعاية اللواء أحمد رأفت، مع قيادات الجماعة، والتي أفضت إلى تجربة حاولت الدول المجاورة استنساخها في مكافحة التطرف وتبريده. تناولت الدراسة مراحل ظهور الجماعة الإسلامية، من الانشقاق عن «الإخوان» في السبعينات من القرن الماضي، إلى التورط في عمليات إرهابية كاغتيال الرئيس أنور السادات، واقتحام محلات غير المسلمين، وتبرير ذلك عبر كتب ومجلات تابعة للجماعة.

الخلاصة أن تأهيل المتطرفين يحتاج إلى ورشات كبرى أمنية ونفسية واجتماعية؛ ومن الخطأ اعتبار المراجعات المنقوصة دليلاً على التجاوز، بل لا بد من الرقابة على المتراجعين لأنهم قد يمثلون دور التراجع ودراما التوبة من الإرهاب، وهنا يأتي دور الحكومات الكبير في تأهيل المتطرفين ودفعهم نحو الخروج الكامل من فضاء التطرف الفكري والميداني.

* نقلا عن "الشرق الأوسط"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.