"الإسلام السياسي" بين قلّة البحث وغياب الباحثين

منير أديب
منير أديب
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط

استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي

0:00
6 دقائق للقراءة

هناك مشكلة حقيقية ترتبط بقلّة الدراسات المتخصّصة في مجال "الإسلام السياسي" وغياب الباحثين الجادّين في هذا التخصّص، وما بين القلّة والغياب تندر القراءات الرصينة التي تستشرف واقع هذه التنظيمات، أو تضع حدوداً لمواجهتها.

كثيرٌ مِنَ الدراسات تعتمد على معطيات عامة وتقليدية لا علاقة لها بالدراسة العلمية، كما أنّ كثيراً منها اعتمد على أوراق بحثية، ربما لم تستوفِ الظاهرة أو خلطت بين التنظيمات المتطرّفة أو وضعتها كلها في سلّة واحدة، وبالتالي، باتت المخرجات مشوّهه ولا علاقة لها بالواقع، وهذه آفة المواجهة الفكرية الهزيلة.

غاب عن الحكماء أن يضعوا أُطراً فاصلة في هذا التخصّص، كما أنّ الاهتمام المتزايد والحاجة الملحّة لهذا النوع من الدراسات على قدر إيجابيته، إلّا أنّه كان سبباً في انحراف بعض الباحثين وقلّة من المراكز البحثية التي تشتغل على الظاهرة، فغاب الهدف الأسمى وسط أهداف ضيّقة، بالطبع لا علاقة لها بالبحث.

ينقسم المشتغلون في حقل دراسات الإسلام السياسي إلى ثلاثة أنواع: النوع الأول، هم أولئك الذين تماهوا مع الحالة، أو الذين يعتبرون أنفسهم جزءاً منها، هؤلاء لديهم خلط بين الفكر والتوجّه والهوى، وبين ما ينبغي أن يكون عليه الباحث.

النوع الثاني، يرُكّز جلّ اهتمامة على تعرية الحالة، وهذا النوع ليس لديه أي أدوات سوى السبّ والقذف، وهو غير مؤثر على قدر حدّته في النقض، وفي الحقيقة لا نحتاج في دراسات الإسلام السياسي إلى لغة شعبوية أو تعبوية، بقدر ما نحتاج إلى القراءة الدقيقة التي تُبنى عليها المواقف والقرارات.

ونوع ثالث، منحاز دائمًا إلى فهم الحالة، مشغولًا بالتعرّف على الفكرة والعمل على نقدها من الداخل أملًا في تفكيكها. هذا النوع من الباحثين هو الأقدر على مواجهة الأفكار المتطرّفة والأكثر تطرّفاً، لأنّه يمتلك رؤية وتصوراً ومعلومات في الوقت نفسه.

نتفق جميعًا على مواجهة الظاهرة، لكن تبقى شكل المواجهة وأثرها، وهذا ما يفرّق بين الأنواع الثلاثة من الباحثين؛ نحن لا نحتاج إلى من يسبّ الظاهرة، ولكن حاجتنا أكثر إلى من يصفها، وبالتالي يفكّكها من الداخل، لأننا متفقون على المواجهة التي لا تميل إلى اللغة الشعبوية، سواء في الوصف أو التحريضية في الإنشاء.

التنظيمات المتطرّفة منحازة إلى تقديم النوع الأول في منصّاتها الإعلامية، لأنّه الأقدر في التعبير عنها، حتى ولو حمل لافتة مكتوب عليها "باحث في شؤون الحركات المتطرّفة"، والنوع الثاني لا يزعجها كثيراً، لأنّه يعتمد في أدواته على سبّ الحالة من دون النيل من أفكارها أو تفكيكها.

أما النوع الثالث، المشغول دائماً بتفكيك ظاهرة الإسلام السياسي من الداخل، وفق قراءته المبنية على النظرة القريبة من واقع هذه التنظيمات، وهو ما يؤرق مضاجع هذه الجماعات التي تسعى إلى اغتياله سواء معنوياً أو مادياً، لأنّه يُفقدها حجتها على الأقل بين أتباعها.

النوع الأخير قادر على تفكيك أفكار هذه التنظيمات حتى أمام أنصار الفكرة، وهذا أخطر ما تواجهه التنظيمات، أن يكون هناك باحث أو مجموعة من الباحثين، قادرين على التأثير على أتباع الفكرة أو حواري التنظيم، فما بالك بتأثيرهم في الجمهور العادي.

هناك عدد من الإشارات والرموز الدالّة على الأنواع الثلاثة، أولها، تجده دائماً يُهاجم النوع الثالث، ولعلّ هذا جزء من استراتيجية التنظيمات المتطرّفة التي تشعر بانزعاج شديد من وجود باحثين قادرين على تفكيك أفكارهم من الداخل.

كما أنّ هذا النوع من الباحثين، إن جاز إطلاق المصطلح عليهم، لديهم مشكلة نفسية مع الباحثين الجادّين عموماً، ولذلك، تراهم بين الوقت والآخر يُطلقون نيرانهم في اتجاه الأكثر تأثيراً على التنظيمات التي يتعاطفون معها.

بعض هؤلاء تأثروا بصورة أو بأخرى بالتنظيمات المتطرفة، إما من واقع قراءتهم غير الواعية، أو بحكم اختلاطهم. الأفكار المشوشه والمشوّهة مع بعض القناعات قد تحرّكهم في اتجاه ما يُقال وما يُكتب، أكرّر، هذا النوع تجده متفرّغًا لطعن النوع الثالث من الباحثين الجادّين.

النوع الثاني، هو الأكثر انتشاراً، للأسف الشديد، بين الباحثين، تجدهم يحكمون أكثر مما يصفون. غاب عنهم المنطق وليس لديهم رؤية، كما أنّهم يفتقدون المعلومات الدقيقة، فتراهم يخلطون بين كل التنظيمات، ويختلقون كيف تكون أداة وصفهم لهذه التنظيمات، في حين أنّ هذه التنظيمات لا تحتاج إلى خيال للتعامل معها، يكفي مواجهتها بواقعها القبيح.

هذا النوع محبب دائماً للتنظيمات المتطرّفة، رغم أنّه كثير الهجوم عليها، ولكنه هجوم بلا تأثير. مع هؤلاء قد تجد التنظيمات مبرّراً لنفسها ولدى حواريها، أنّها تتعرّض لحملة غير مبرّرة لمجرد أنّها تحمل عدداً من القيم أو أنّها تمثّل الإسلام! ولذلك، أمام كل سبّ وقذف وذمّ للحالة، نجد تمسّكاً من الأتباع بأفكار هذه التنظيمات.

وفي الحقيقة، نحن نحتاج أكثر إلى من يُخاطب الآخرين. ويا حبذا لو كان قادراً على التأثير بمن آمن بهذه الأفكار، أو وقف في المنطقة الوسط وتأثر بصورة أو بأخرى بمخلّفات ما أنتجته هذه التنظيمات. هذا النوع من الباحثين هو الأكثر تأثيراً، وهو الأكثر إزعاجًا لهذه التنظيمات والأكثر خطراً عليها أيضاً، وبالتالي أكثرهم عرضة للاغتيال بكل صوره، والنيل منه.

مِن أبرز آفات المشتغلين بظاهرة الإسلام السياسي عدم التفرّغ، فأغلبهم منشغل في أشياء ثانوية، فُرضت عليه، من دون القراءة والرصد، وقد لا يكون مرحّباً بإنتاجه في أغلب المنصّات البحثية أو الإعلامية، لأنّه لا يتوافر في إنتاجه من الإثارة والتشويق ما يجعل القائمين على النشر يتفاعلون معه.

لا بدّ من أن يكون الباحث صاحب رؤية استشرافيه، فليس مطلوباً منه فقط القراءة الدقيقة لواقع هذه التنظيمات ولا تفكيكها من الداخل فقط، ولكن قراءة واقعها في المستقبل، والتعامل مع هذا المستقبل. فكثيرٌ من التنظيمات بدت للبعض أنّها انتهت، ولكنها في الحقيقة ما زالت حيّة، بل وعادت للحياة من جديد. وهنا تبدو أهمية الرؤية الاستشرافية التي تًعطينا تصوراً للتحوّلات الفكرية والبنيوية، وبالتالي يمكن التعامل معها.

لا توجد حاضنة للباحثين الجادّين، ولا يوجد ما يشجعهم على العمل، كما لا توجد مراكز جادّة تهتم بهذا النوع من الإنتاج، وإذا وُجدت فقد يُصاحبها سوء الإدارة المرتبط بالبيروقراطية القاتلة. فحسن النوايا لا يكفي في العمل البحثي ولا في دراسة ظواهر العنف والتطرّف، ولذلك، لا بدّ من أن يكون الباحث حاضراً في معركة المواجهة التي خلت من أدواتها.

* نقلا عن "النهار العربي"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.