"داعش"... بقاء وتمدّد أم فناء وتفكّك؟
أعلنت الولايات المتحدة الأميركية التي تقود التحالف الدولي لمواجهة "داعش" منذ إطلاقه في أيلول (سبتمبر) من العام 2014، أنّ خطر التنظيم ما زال قائماً، حيث قال المبعوث الأميركي للتحالف الدولي، جيمس جيفري، على هامش اجتماع وزراء خارجية دول التحالف في الرياض منذ يومين إنّ تهديد "داعش" لم ينتهِ تماماً!
يمثّل هذا التصريح خيبة أمل كبيرة في مواجهة تنظيم "داعش"، الذي نجح في إقامة دولته قبل عقد من الزمان، وتحديداً في 29 حزيران (يونيو) من العام 2019، ورغم أنّ التحالف الدولي تمّ تشكيله بعد ثلاثة أشهر من نشأة دولة "داعش" في الرقة والموصل، إلاّ أنّه لم يُعلن هزيمة دولته إلاّ بعد 5 سنوات كاملة وتحديداً في 22 آذار (مارس) من العام 2019، ولعلّ هذا ما يطرح تساؤلاً يتعلق بقدرات هذا التحالف وأسباب تأخّر الإعلان عن هزيمة "داعش"؟ فالإعلان عن خطر التنظيم بعد مرور أكثر من 9 سنوات كاملة أمر يبعث على القلق والريبة وإعادة تقييم منجزات "التحالف".
في تقديري أنّ من أهم مخرجات اجتماع وزراء خارجية التحالف الدولي في الرياض، الانتباه إلى خطر التنظيم المتنامي في أفريقيا، ثم اعتراف المجتمعين في أنّ التنظيم ما زال موجوداً وأنّ خطره ما زال قائماً. ولكن، غاب التصوّر الخاص بمواجهة التنظيم، رغم الحديث الدائم في كلمات المتحدثين عن ضرورة تفكيك مخيمات عوائل "داعش" وعودة مقاتلي التنظيم إلى دولهم؛ حديث متكرّر لم ينقطع منذ سقوط دولة التنظيم قبل 4 سنوات، وما زلنا نناقش بعض هذه التحدّيات من دون وجود آليات لتفكيك هذه المخيمات، والتي تمثل قنبلة موقوتة يمكن أن تنفجر في وجه العالم في أي لحظة.
فشل التحالف الدولي لمواجهة "داعش" مرتين، عندما واجه التنظيم عبر الضربات الجوية فقط من دون المواجهة البرية، التي لا يمكن أن يتحقق هدف القضاء على التنظيم من دونها، وهنا استمر التحالف المُشكّل من أكثر من 85 دولة، 5 سنوات كاملة حتى أعلن القضاء على التنظيم، وحتى هذا الإعلان كان مفرغاً من داخله، فقد مرّت 4 سنوات على الإعلان وما زال وزير الخارجية الأميركي يُصرّح أنّ التنظيم ما زال موجوداً ويمثّل خطراً، بل الحديث الآن عن شكل مواجهته بعد انتشارة في أفريقيا.
لم يتحلّ التحالف الدولي بمقوّمات المواجهة الناجزة منذ اللحظة الأولى، ولكن بعض الدول الكبرى افتقدت الإرادة الواعدة لتفكيك التنظيم، ولذلك وقفت أمام عودة مقاتليه إلى بلدانهم، وفضّلت وجودهم في سجون تُشرف عليها "قوات سوريا الديموقراطية" من دون بحث عودتهم إلى أوطانهم؛ رغم ضعف هذه القوات وقلّة عتادها، والأدهى أنّ مخيمات عوائل "داعش" ما زالت قائمة هي الأخرى، فخطرها أكبر بكثير من خطر مقاتلي التنظيم الموزعين على سجون عدّة في الشمال السوري.
الأطفال الذين دخلوا هذه المخيمات باتوا مقاتلين يستعدون للمواجهة في أي لحظة، بعد أن رضعوا من أثداء أمهاتهم أفكار آبائهم الذين ماتوا من أجلها، كما أنّ عمليات الإنجاب باتت أكبر داخل هذه المخيمات، فأطفال الأمس باتوا رجالًا يستعدون للمعركة بالتكاثر، وكأنّ المجتمع الدولي الذي فشل في حلّ مشكلة مخيمات عوائل "داعش" يعمل على رعاية جيش جديد للتنظيم من خلال أطفال الأمس ومقاتلي اليوم.
تطرّق مؤتمر وزراء خارجية التحالف الدولي إلى خطر التنظيم في القارة السمراء، وكأنّه نجح فعلياً في القضاء على التنظيم في منطقة الشرق الأوسط، حتى يكون الحديث عن خطر التنظيم في أفريقيا. فما زالت هجمات التنظيم قائمة في الشرق الأوسط، وما زال التنظيم وفق التصريحات المُشار إليها يمثّل خطراً قائماً، رغم الإعلان قبل سنوات عن القضاء عليه. صحيحٌ لم يعد هناك وجود فيزيائي للتنظيم، ولكن شبحه ما زال موجوداً في كل مكان، فالورم السرطاني بات منتشراً في كامل المنطقة.
وإذا كان التنظيم قد استغلّ الظرف السياسي والاقتصادي الذي تمرّ فيه أغلب العواصم الأفريقية، ويوظّف الحرب في السودان لصالحه، من أجل عودة جديدة بديلاً عن دولته التي سقطت في الشرق الأوسط، فالسؤال المهم، هل ينجح التحالف في القضاء على بؤرة الانتشار الجديده للورم السرطاني في أفريقيا، مع العلم أنّه لم يتمّ القضاء على التنظيم بشكل نهائي في منطقة الشرق الأوسط، فخطره ما زال موجوداً وقائماً حتى كتابة هذه السطور.
صحيح أنّ التحالف الدولي أنجز مهاماً عدّة منها إسقاط "دولة داعش" ومقتل قادته وخلفائه، حتى ولو كان ذلك على فترات متباعدة، ولكن "دولة الخلافة" التي تحوّلت إلى خلايا نشطة أو حتى خاملة أو عادت إلى ما كانت عليه في صورة تنظيم ربما غير مرئي، بخلاف الدولة التي كان لها حدود ومقاتلون وكانت ملء السمع والبصر على مدار سنوات طويلة، وضعها الآن أخطر بكثير مما كانت عليه في السابق، فخلاياها وصلت بتهديدها إلى كل مكان، بل بات التنظيم يمثّل خطراً على قارة أفريقيا بأكملها.
رفع التنظيم شعار "باقية وتتمدّد"، ولعلّه يُعبّر عن حالها حتى الآن؛ سقطت دولة التنظيم، ولكن ما زال التنظيم باقياً، ولعلّ تمدّده لا يُخفى على العين. فوزير خارجية الولايات المتحدة الأميركية أشار إلى خطر التنظيم في أفريقيا، وطالب المجتمعين في الرياض بإجراءات حاسمة لمواجهته في القاره السمراء. فهل هناك تمدّد أكبر وأرفع مما حقّقه التنظيم حتى بعد إعلان سقوط دولته؟
لا أحد يشك في فناء هذا التنظيم وتفكّكه؛ فكثيرٌ من التنظيمات المتطرّفة التي ظهرت على مرّ التاريح تفكّكت، ولم تعد سوى بضعة أسطر خطّها المؤرخّون ببعض الكتب التي حكوا فيها التاريخ بكل تفاصيله، ولم يبق منها سوى الأفكار التي خلّفتها، والتي تفكّك بعضها بحكم عوامل الدفع والمواجهة، بينما هذه التنظيمات هلكت وتفكّكت هي الأخرى، وهو ما سوف يحدث مع "داعش" يوماً ما، وإن لم تظهر بوادره حتى الآن.
واقع "داعش" الحالي يستدعي البحث عن شكل المواجهة المستقبلية، وآليات هذه المواجهة بدءاً من تفكيك مخيمات عوائل التنظيم وسجون مقاتليه وقادته؛ فلا يمكن القضاء على "داعش" بالتصريحات الوردية، فكما أنّ الضربات الجوية فشلت في القضاء على التنظيم عبر السماء، فلن يتمّ القضاء عليه بمعسول الكلام ولا بالتصريحات المتفائلة؛ إذا أردنا أن نغيّر من شعار التنظيم "باقية وتتمدّد" إلى "فانية وتتفكّك"، فلا بدّ من المصارحة أولاً بأخطاء المواجهة في الماضي، والانتقال بعدها وفق آليات مواجهة جديدة، إلى مستقبل لا يُصبح للتنظيم فيه أي وجود.
نقلا عن النهار