الاتصال والقرار السياسي

أحمد يوسف أحمد
أحمد يوسف أحمد
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
3 دقائق للقراءة

أثناء الزيارة الأخيرة لرئيسة الوزراء الإيطالية لتونس منذ أيام ارتكب المترجم خطأً في ترجمة عبارة من بيانها الذي ألقته في المؤتمر الصحفي مع الرئيس التونسي، وبموجب هذا الخطأ فإن المترجم تحدث عن نية إيطاليا ضخ 700 مليون يورو لدعم تونس، بينما قصدت رئيسة الوزراء أن إجمالي مشاريع التعاون مع تونس يصل إلى نحو هذا الرقم، والفارقُ بيّنٌ بطبيعة الحال. وقد أثارت هذه الواقعة بعد اكتشاف الخطأ سيلاً من الانتقادات والتعليقات، غير أنني أود مقاربة تلك الواقعة من منظور ذي أهمية فائقة في عملية صنع القرارات السياسية، وهو علاقة الاتصال السياسي بهذه العملية، وقد كان كارل دويتش عالم السياسة الأميركي ألماني الأصل واحداً من الذين طوروا نظرية متكاملة في هذا الصدد، وجوهرها أن القرارات السياسية الرشيدة لا غنى لها عن الاتصال السليم الخالي من التشويه أو التحريف distortion، وهي فكرة بالغة المنطقية، لأن الخطوة الأولى لأي قرار رشيد هي توافر المعلومات الدقيقة والمكتملة قدر المستطاع عن الموقف الذي يُراد اتخاذ قرار بشأنه، ولنتصور أن صانع قرار يريد أن يتخذ قرارات لمواجهة مشكلة المديونية الخارجية دون أن تكون لديه معلومات كاملة عن حجمها وشروطها وجدولة أقساط سدادها، أو أن آخر يريد التحسب لتهديدات أمنية على حدوده دون أن تكون لديه معلومات كافية ودقيقة عن حجم الحشود المعادية وتسليحها، وهكذا...وهنا لنتخيل أن قنوات الاتصال بين صانعي القرار في المثالين السابقين لم تكن سليمة بحيث توصل معلومات مغلوطة أو مشوهة لصانع القرار الذي سيتخذ قراره بناء عليها، فيكون بصدد اتخاذ قرار تجاه موقف غير واقعي بسبب هذه المعلومات الخاطئة أو غير الدقيقة، وهو ما يمكن أن يفضي إلى كارثة.
ومن الوقائع الشهيرة المؤلمة في هذا الصدد أن وزير الحربية المصري قبل عدوان1967 قد عاد من زيارته للاتحاد السوفييتي قبل العدوان بأيام لينقل للقادة المصريين أن السوفييت سوف يتدخلون في الحرب مباشرة لو هاجمت إسرائيل مصر، ولا أدري ما إذا كانت القيادة المصرية قد صدقته أم لا وإلى أي حد، لكن المؤكد أن الرسالة قد وصلت، وربما تكون قد عززت الخطة المصرية بانتظار الضربة الأولى وامتصاصها تمهيداً للانتقال للهجوم.
ومن المؤكد أن هذا الفهم الخاطئ قد ترتب على خطأ في الترجمة، لكنه بالتأكيد لا يعفي صانع القرار من مسؤولية تصديق رسالة يعلم أي مبتدئ في دراسة العلاقات الدولية عامة والسياسة الخارجية السوفييتية خاصة أنها مستحيلة، فقد كانت هذه السياسة تتسم بالحذر البالغ تجاه كل ما يتعلق بقضايا الاستقطاب الدولي في حقبة الحرب الباردة.
ونظراً للأهمية الفائقة للاتصال السليم في صنع القرارات، فإن الدول كثيراً ما تلجأ في المواقف الحساسة لمحاولة القيام بعملية تشويش على المعلومات الصحيحة، كما فعلت مصر في عملية الخداع الاستراتيجي قبل حرب أكتوبر بتكرار تحريك القوات على قناة السويس إلى أوضاع قتالية ثم سحبها، بحيث إن الصور التي التقطتها الأقمار الصناعية عشية الحرب كانت بالغة الدلالة على الطبيعة الهجومية للتشكيلات القتالية المصرية، لكن تفسير هذه الصور تم استناداً إلى التحركات السابقة التي تكررت كثيراً وانتهت إلى لا شيء، وبهذا أمكن «التشويش» على معلومات صحيحة ونجحت خطة الخداع الاستراتيجي.

* نقلا عن "الاتحاد"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.