أنت مصرى

حلمي النمنم
حلمي النمنم
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط

استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي

0:00
7 دقائق للقراءة

كان تقسيم المصريين والتمييز شبه العنصرى بينهم، بعد 11 فبراير ٢٠١١، كسرًا كاملًا لأهم شعار ارتفع فى الميادين والشوارع، وهو: «ارفع راسك فوق.. إنت مصرى»، شعار غير إنشائى ولا تم اصطناعه وتركيبه أو نحته وفق الأحداث، بل خرج من الوجدان الجمعى، تُنطق كلمة «فوق» بمد الواو، وشموخ وعلو فى النطق، يردده المواطنون جماعيًّا، أى ليس أداء فرديًّا، كان ذلك يعنى اعتزازًا من حشود المواطنين بمصريتهم، ربما كان حنينًا واشتياقًا إليها أيضًا، كان النداء رسالة إلى الجميع فى الداخل والخارج بأنن مصريتنا هى الأساس والجامع الأول والأعظم لنا جميعًا، وأى انتماء واعتزاز آخر يجىء تاليًا لها، نابعًا منها ومرتبطًا بها، لا يهز منها ولا يُضعفها.

لعقود طويلة كانت هناك محاولات لتغييب الروح المصرية لصالح العروبة مرةً ولصالح شعارات وخطط الإسلام السياسى مرة أخرى، ثم مع دعاة العولمة مرةً ثالثة.

كان العروبيون يتصورون دمج المصرية فى العروبة وتصير جزءًا منها أو مكونًا من مكوناتها، دون أى خصوصية أو تميز، كان بعضهم بقصر نظر شديد وضيق أفق يتعامل مع الروح المصرية بتأفف صامت وينظرون إليها شزرًا.

أما دعاة الإسلام السياسى فكانوا- مازالوا- يمقتون الروح المصرية ويعادونها. عمومًا، هم يعادون المشاعر والأفكار الوطنية، ويكرهون كل نماذجها ورموزها، خاصةً فى بلادنا، راجع موقفهم من سعد زغلول وقادة ثورة ١٩، ثم موقفهم من جمال عبدالناصر وزملائه، وقبل هؤلاء جميعًا رأيهم فى محمد على، الوطنية المصرية عدوهم اللدود وهدفهم الأول، ومع القرن الجديد جاءت العولمة بكل توحشها، العولمة تتردد منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لكنها بعد انتهاء الحرب الباردة وسقوط الاتحاد السوفيتى صارت موضة عالمية، ونما اتجاه لإكراه الجميع على تبنى أفكارها وممارساتها، يرفض أفراد هذا التيار المدرسة والأفكار الوطنية، يعدونها رجعية، متخلفة، ترمز إلى الشمولية والاستبداد، وتزَيّد بعضهم فى إعلان حرب على كل ما هو وطنى، يتغنون فقط بالأمة الأمريكية ويتقاتلون لنَيْل جنسيتها، ازداد ذلك بعد ضرب العراق واحتلاله سنة ٢٠٠٣.

بعيدًا عن الجانب الأيديولوجى والفكرى، وربما بسبب تلك الأفكار مجتمعة، فإن سنوات ما قبل ٢٠١١ شهدت عمليات سخرية سمجة وبذيئة من كل ما يكشف عن اعتزاز بالروح المصرية، عدد من السخافات الدرامية تسخر من شعار مصطفى كامل «لو لم أكن مصريًّا لوددت أن أكون مصريًّا»، وتتهكم على مصطفى كامل نفسه.

سخافات أخرى للتهكم على قصيدة حافظ إبراهيم التى تغنت بها كوكب الشرق أم كلثوم: «وقف الخلق»، وكلمات أغنية الفنانة شادية «يا حبيبتى يا مصر»، كان هناك تَبَارٍ فى السخرية والتنديد بالمشاعر الوطنية، وكان ذلك يُبَثّ أحيانًا، حتى على التلفزيون الرسمى!!.

«ارفع راسك فوق.. إنت مصرى» نداء وصرخة، تتصل بشعار الحركة الوطنية زمن مصطفى كامل ثم مع ثورة سنة ١٩١٩، الشعار يتحدث عن المصرى بالمطلق، دون تمييز أو تصنيف، مصرى وكفى، بغض النظر عن الوضع الاجتماعى والاختيار السياسى، لكن هذه الصرخة تم انتهاكها بفظاظة شديدة، أولًا من أولئك الذين قسموا المواطنين إلى «أنصاف آلهة» وهم الثوار، لا يخطئون ولا يراجعهم أحد، ناهيك عن أن يتم الاختلاف معهم، ولن أقول مساءلتهم، ثم «المذلون المهانون»، بتعبير ديستويفسكى، وهم الفلول، لا كرامة لهم ولا حق لهم فى أى شىء، وأخيرًا مَن هم أصحاب المنزلة بين منزلتين، «حزب الكنبة»، وهؤلاء موضع تهكم وسخرية وازدراء، بتعبير أحد أنصاف الآلهة، كانوا على مدى ثلاثين عامًا «عبيد مبارك».

على أرض الواقع، وجدنا المشهد البديع للمصريين الأقباط وهم يحرسون المواطنين المسلمين وقت صلاة الجمعة فى ميدان التحرير، كان المشهد وغيره موضع إعجاب وتقدير العالم كله، مع هذه المشاهد تجاوزنا حالة الاحتدام الطائفى التى التهبت فى بداية يناير ٢٠١١، مع تفجير كنيسة القديسين بالإسكندرية، لكن بعد رحيل مبارك، راحت توجه سهام الاحتراب مجددًا فى الشأن الطائفى، عرفنا فى مارس ٢٠١١ أحداث قرية صول بمركز أطفيح بالجيزة، والتى أدت إلى الاعتداء على كنيسة، كما وقع حادث كنيسة إمبابة، حيث انفجرت قنبلة أثناء حفل زفاف داخل الكنيسة، وراحت ضحيتها طفلة صغيرة، عمرها 11 عامًا، وتكرر الاحتدام فى إمبابة بصورة باتت تهدد المجتمع كله، وكأننا أمام بروفة نارية لحرب أهلية طائفية.

خارج القاهرة الكبرى، وقعت عدة أحداث مشابهة، فى أسوان وفى عدة مناطق أخرى، حتى وصلنا إلى أحداث ماسبيرو، التى عُرفت إعلاميًّا باسم «مذبحة ماسبيرو».

للوهلة الأولى، كان يبدو أن المقصود من هذه العمليات، فى البداية، إحراج حكومة د. عصام شرف، والدفع نحو استقالتها أو إقالتها، وإحراج المجلس العسكرى، غير أن تأمل الوقائع يكشف أن الموضوع كان أكبر من ذلك بكثير، كانت هناك رغبة فى تفجير الإجماع الوطنى الذى تكون حتى لحظة 11 فبراير، الحوادث الطائفية راحت تقع بوتيرة متسارعة وترتفع حدتها بما يتجاوز بعض ما كان يقع زمن مبارك، وكان الاحتدام الطائفى يتم على أرضية وشعارات دينية وطائفية صريحة وليس كما كان من قبل على خلفية مخاوف ومطالب سياسية، أطلت بعض مجموعات الإسلام السياسى بأهدافها ومشروعها الطائفى دون مواربة.

الأهم أن هذه الأحداث كلها كانت تشير إلى أن هناك ميليشيات مسلحة تتحرك فى أنحاء البلاد، وأن ما جرى يوم ٢٨ يناير ٢٠١١ كان بداية صاخبة فقط، ومع ما جرى فى ليبيا الشقيقة وقتها راحت الأسلحة تتدفق علينا، خفيفة وثقيلة، وتُخزن كلها، ثم تذهب لتنفيذ عمليات الإحراق والتدمير. أسلحة من الخارج مع مرتزقة كذلك تم استجلابهم بشعارات أممية.

وكانت هناك ميليشيا من نوع آخر، لا يحمل أفرادها قنابل ولا مدافع، وهؤلاء هم الذين اندفعوا يوم ٨ مارس ٢٠١١، يوم عيد المرأة العالمى، فى عملية تحرش جماعى بالفتيات والسيدات فى ميدان التحرير ومنطقة وسط البلد كلها، بدا أننا بإزاء رسالة موجهة قصدًا إلى العالم كله فى هذا اليوم، أننا هكذا نتعامل مع المرأة ونراها، ثم توسعت موجة التحرش وراحت تتحول إلى سلوك اعتيادى يوميًّا وليس فى بعض المناسبات أو المشاهد المزدحمة فقط، الإعلام الجديد كان يتابع ذلك وينقله إلى العالم.

كانت المرأة المصرية قد قدمت موقفًا بديعًا فى أحداث يناير، نزلت بكثافة إلى الشوارع والميادين، بينهن مَن ظللن بالميدان أيامًا وليالى متصلة، فى أمان ومساواة تامة فى الموقف والمسؤولية مع زملائهن، لاحظ كثيرون أن مشاهد التحرش المقززة تراجعت كثيرًا، بما يكشف حالة نضج اجتماعى وأخلاقى، بدا أن التاريخ يقودنا إلى مرحلة جديدة فى حياتنا، صارت المرأة رقمًا حاسمًا فى اللحظة الثورية، هكذا كانت فى مار س سنة ١٩ مع اشتعال أحداث الثورة زمن سعد زغلول.

بعد ثورة ١٩ تنكر الزعماء للمرأة، ورفضوا منحها حق التصويت فى الانتخابات، ورفض سعد زغلول الاستماع وقتها إلى مطلب الصحفية «منيرة ثابت» بالحصول على هذا الحق، كان مطلب منيرة ثابت قائمًا على أن الدستور قرر حق التصويت لجميع المصريين، لكن شراح الدستور ذهبوا إلى أن كلمة «المصريين» تنطبق على الرجال فقط، وانتهى رأى الزعماء إلى أنه يكفى المرأة الدور الاجتماعى والخدمى، وهكذا تأسس الاتحاد النسائى المصرى، حق التصويت والترشح للمرأة تحسن بعد ثورة يوليو ٥٢.

بعد ثورة يناير جرت عملية انتهاك إنسانى للمرأة، بدا وكأن هناك شريرًا يحرك جحافل المتحرشين فى الشوارع والميادين، وكان ذلك تراجعًا وارتدادًا حادًّا، على عكس المتوقع، وكأن المطلوب عمليًّا أن تختفى المرأة من المشهد تمامًا، سوف تظل عمليات وعصابات التحرش فى ازدياد مع المزيد من الانحطاط الإنسانى والأخلاقى، حتى بات الأمر يشكل سُبّة وطنية لنا، وصرنا موضع تنديد دولى؛ أخذت الظاهرة فى التراجع بعد سنة ٢٠١٤ مع تدخل تشريعى وتوفر إرادة سياسية قوية على رد اعتبار المرأة.

كان هناك مَن يصر على كسر السبيكة الإنسانية والوطنية المصرية، التى صنعت رغم كل شىء لحظة حاسمة فى تاريخنا، نعم هى عصية على الكسر، لكن كان هناك مَن حاول وسعى إلى ذلك الكسر والهدم الإنسانى والمجتمعى.

الحديث ممتد.

نقلا عن "المصري اليوم"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط