إلى المُغْرَمين بصدام... وأشباهه!

علي الرز
علي الرز
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط

استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي

0:00
4 دقائق للقراءة

قبل غزو روسيا لأوكرانيا خرجت عشرات المبررات التي حضرت مسرح العمليات للحرب بدءا من مخطط الانضمام الى الناتو مرورا باضطهاد أقليات على الحدود وانتهاء بنشر مزعوم للصواريخ. قبل يومين، ومع مرور ١٧ شهرا على الحرب، وفر نائب رئيس مجلس الأمن الروسي ديمتري مدفيديف على الجميع عناء تكذيب المبررات وقال صراحة ان أوكرانيا هي "أرض سانيكوف المزعومة غير الموجودة على أرض الواقع مهما حاولت سلطات كييف والغرب إثبات العكس...أوكرانيا المزعومة هي أرض تابعة للإمبراطورية الروسية."

الحرب، إذا، هي لإعادة الفرع إلى الأصل، أو بالتعبير الحقيقي للكلمة الضم القسري لدولة مستقلة مجاورة وقتل سيادتها.

ملاحظة: أرض سانيكوف هي جزيرة وهمية في المحيط المتجمد شمال جزر سيبيريا الجديدة. يقال أن بحارة رأوها في القرن التاسع عشر ومنذ ذلك الوقت لم يثبت أي بحث وجودها.

ذكرنا الكلام الصريح لمديفييف بالمبررات التي ساقها صدام حسين لغزو الكويت، بدءا من الكلام عن المساعدات التي تحولت الى ديون، مرورا بشفط النفط، وانتهاء بتنفيذ مؤامرة أميركية دولية لخفض أسعار الطاقة وبالتالي افلاس العراق. وخلال تفاصيل محاكماته المتلفزة زاد صدام أسبابا أخرى لتحريض الناس وصلت حد اقحام النساء في الموضوع... ولو قيض له الكلام أكثر لربما قال ان استخباراته سمعت شخصين كويتيين في ديوانية يعترفان بأنهما دمرا المفاعل النووي العراقي.

ومناسبة التذكر، ما امتلأت به وسائل التواصل الاجتماعي من آلاف العبارات التي تتحدث عن ذكرى اعدام صدام حسين في عيد الأضحى وما صاحبها من تمجيد له من قوميين ويساريين وعروبيين وبعثيين اعتبروا أن الأمة العربية خسرت من كان السد في وجه إيران وبالتالي اختل التوازن الإقليمي.

كثير من العرب يعيشون عقدة عجز تسببت بها انظمتهم الشبيهة بأنظمة صدام من جهة والعدالة الدولية الغائبة في قضايا محقة مثل فلسطين من جهة أخرى. والعاجز، أسير الخيبة، يتطلع دائما إلى بطل حتى ولو قضى هذا "البطل" على كل مقدرات الدولة وحول نصفها سجنا كبيرا والنصف الآخر مقبرة.

لدى مراجعة محضر اجتماع صدام حسين مع الشاذلي النفاتي مبعوث الرئيس التونسي آنذاك زين العابدين بن علي في 1 سبتمبر 1990، أي بعد نحو شهر على غزو الكويت، يتضح التالي حرفيا بالنسبة الى "مبدئية" القائد الذي دمر بلاده في حرب مع إيران ممزقا اتفاقية الجزائر لاستعادة شط العرب وأراض يقول انها عراقية. يقول صدام للمبعوث التونسي (المحضر عراقي): "أوشك ان ينتهي كل شيء الى حل بيننا وبين ايران، ومع ذلك اذا اضطررنا لان نعطي نصف شط العرب (لها) فسنعطيه". ويضيف:" إننا استراتيجيون، ويجب ألا نقسم قوتنا على جبهتين، فهذه المعركة تحتاج كل الجيش". ويضيف بكل بساطة: "قلنا للعراقيين أن قيمة شط العرب الآن ليست تلك القيمة الاستراتيجية التي كانت عليه بعد أن وصلنا إلى البحر".

... هكذا يذيب القائد المهيب مليون قتيل و400 مليار دولار خسائر و8 سنوات يحملها المصابون والمعاقون والمفقودون، ويتخلى لإيران لاحقا عن أكثر مما اعطى في اتفاقية الجزائر. لماذا؟ لأن من وصل الى البحر لا يهمه النهر.

وفي المحضر المذكور يعيد صدام رواية المبررات التي ساقها لغزو دولة جارة، لكنه مثل مديفييف وفر على مفندي هذه المبررات الوقت حيث يرد حرفيا: كانت الكويت قائمقامية تابعة لمحافظة البصرة (...) حشد عبد الكريم قاسم جيشا ليمنع تحولها إلى دولة عام 1961 وضاعت على الدولة العراقية فرصة أن تلتئم مع جزئها الضائع" (..)الكويت كلها بأيدينا، وتحولت إلى محافظة، هذا واقع حصل". ثم يقول بـ"تواضع" أنه الوحيد الذي تعامل طبيعيا مع الكويت منذ 1974 "ورفاقي لم يكونوا مرتاحين في حقيقتهم لكل مسارات تلك السياسة المتسامحة.".

ويختم صدام بالقول: "إن السعوديين وضعوا أنفسهم في وضع يرثى له".

انتهى المحضر، وانتهت الحرب الى ما انتهت عليه، وتحررت الكويت، وتدمر العراق، واختبأ "البطل" في حفرة والمغرمون يهندسون نظرية أن هروبه فبركة أميركية، وأعانت السعودية التي رأى انها في وضع يرثى له والكويت ودول الخليج اطلال دولة كانت مهد حضارة فخخها شخص من الداخل بشكل عنقودي.

ومثلما أن أرض سانيكوف وهمية، فبطولة صدام وهمية، وبطولة اشباهه وهمية، لكن الفارق بين أرض غير موجودة على الخريطة وبين من كاد يزيل بلاده عن الخريطة هو حجم الكوارث التي يراها المغرمون... بطولة ومرجلة.

نقلا عن "المدينة"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.