الحاكم والمحكوم ضد استنزاف ثروات الكويت
استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي
يعد هذا الموقف أحد المواقف الوطنية المتميزة لابن من أبناء الكويت الطيبين، وهو العم أحمد السيد عمر، رحمه الله تعالى، وقد أورده الكاتب يوسف الشهاب في كتابه: «رجال في تاريخ الكويت»، حيث يرويه العم أحمد السيد عمر بنفسه قائلاً: «من أمثلة المواقف التي تعرضت لها أذكر ذلك الموقف مع رئيس شركة كي.أو.سي، المستر فريزر، وحكايته بدأت حينما جاءني ذات مرة في مكتبي بدائرة المالية عام ١٩٥٧م، لبحث بعض الأمور الخاصة بالشركة، وخلال الحديث معه قلت له: لعلك تعرف أن هناك آباراً جافة، وهذه تنفقون عليها أموالاً طائلة خلال عمليات الحفر، مع علمكم بأنها جافة أصلاً ولن تنتج نفطاً. وفي المقابل، فإن هناك آباراً أخرى منتجة تحاولون استخراج كل بترولها دفعة واحدة!! فلماذا لا يكون الإنتاج على مدار أكثر من عام واحد حماية للثروة النفطية وحماية لمصالحنا المالية أيضاً؟ فما كان منه إلا أن ثار غاضباً، ثم قال: هذا الأمر لا نستطيع تنفيذه، ونحن من عاداتنا سحب كل ما في البئر من النفط وبأقصر فترة ممكنة. فقاطعته بقولي: ونحن كدائرة للمالية، لا نقبل أيضاً هذا التصرف من جانبكم؛ لأننا نشعر أن ذلك فيه استنزاف للبئر قبل الوقت المحدد والمفترض لها، وبالتالي ضياع ثرواتنا النفطية، ولم أكتف بذلك، بل هددته بأنني سوف أكتب تقريراً في هذا الشأن وسأرفعه إلى حاكم البلاد الشيخ عبدالله السالم، أشرح له فيه وبكل التفاصيل موقف كل طرف منَّا لاتخاذ ما يراه مناسباً في هذا الأمر، وعندما سمع فريزر مني هذا الكلام قال لي: «أنا سـوف أشكوك إلى صاحب السمو»، وكان يقصد الشيخ عبدالله السالم، لأنني - كما يزعم - تدخلت في الأمور الداخلية للشركة. وعلى الرغم من شعوري بالرهبة وأنا أسمع كلام رئيس الشركة، لكنني كنت على ثقة في نفس الوقت بأن الشيخ عبدالله السالم سوف يدعمني ولن يخذلني، وذلك انطلاقاً من حرصه على أموال الكويت وحقوقها النفطية، ومعرفته بأنني على حق في وجهة نظري من أجل مصلحة الكويت، ولهذا مضيت في موقفي وتمسكت به مهما كانت النتائج».
ويستمر العم أحمد السيد عمر في حديثه قائلاً: «وحدث بالفعل ما كنت أتوقعه، فقد ذهب فريزر إلى الشيخ عبدالله السالم ليشتكي مني، وكان موقف الشيخ عبدالله السالم كبيراً وشجاعاً ما زلت أتذكره. فعلى الرغم من الحلم الذي كان يمتاز به رحمه الله تعالى فإنه كان في الأمور التي تتعلق بمصلحة الكويت وأهلها حازماً حاسماً، فحينما ذهب رئيس الشركة عنده يشكوني إليه، بل إنه أَسْمَعَه كلاماً لم أقله خلال حديثي معه حول موضوع آبار النفط، وحين انتهى فريزر من كلامه رد عليه الشيخ عبدالله السالم بكل ثقة قائلاً: كلام السيد أحمد عَدِلْ، ثم وجه سؤالاً مباشراً له: لو كنت أنت في مكانه بدائرة المالية ومسؤولاً عن قطاع النفط، ألم يكن رأيك مثل رأيه الذي أخبرك به؟ وهنا شعر فريزر بالحرج الشديد مما سمعه من الشيخ عبدالله السالم، وقد كان يظن أنه سوف يقف معه، لكنه وجد موقفاً مختلفاً تماماً عمَّا كان يتوقعه من أمير البلاد -وهذا ما كنت أتوقعه ولله الحمد-، لأن الشيخ عبدالله السالم لم يكن يعرف المجاملات في القضايا التي تهم مصلحة الكويت، وبالفعل نفذت الشركة في ذلك اليوم ما طرحته عليها من وجهة نظرنا بدائرة المالية في أمر آبار النفط والتزمت بتعليماتنا وهذا بالفعل ما كنا نريده منها».
وهكذا قدم لنا العم أحمد السيد عمر رحمه الله تعالى نموذجاً وطنياً رائعاً، وكانت مؤازرة الشيخ عبدالله السالم الصباح رحمه الله تعالى له بمنزلة الدرع الحامية لهذا الموقف الوطني الشجاع والمتميز، فاستحقا معاً أن يسجل لهما التاريخ بالإشادة والتزكية هذا الموقف الصادق الشجاع، وأن يسطر أمانتهما وتحملهما المسؤولية وحرصهما على مصلحة الكويت وحقوق أبنائها ضمن مآثر أهل الكويت الطيبين.
*نقلاً عن "القبس"