إيران والخليج.. مبنى الأحلام ونهاية الأوهام

عبدالله بشارة
عبدالله بشارة
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط

استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي

0:00
6 دقائق للقراءة

تجوّل وزير خارجية إيران عبداللهيان في عواصم الخليج، حاملاً ملفاً فيه تسوية لجميع المشاكل الخلافية بين إيران ودول الخليج، والبدء في فصل جدي لمناقشة معلقات الإقليم ومستجدات القضايا الدولية وانعكاسها على سلامة الخليج، مستفيداً من التطورات الإيجابية في العلاقات بين المملكة العربية السعودية وإيران، مع فتح السفارتين في مدن الطرفين، وأيضاً مستغلاً زيارة وزير خارجية المملكة العربية السعودية إلى طهران، حيث تمت مناقشة جميع المعلقات بين البلدين، بالإضافة إلى ارتباطات إيران بتجمعات تخدم أهدافها، ليس في العراق فقط، وإنما يتعدى ذلك إلى لبنان وسوريا وغزة واليمن، مع سلوكها في الخليج براً وبحراً وجواً.

وعندما نفتح دفتر المعاناة من الأحلام الإيرانية، فسنقف متفحصين هذا السجل، لن نفاجأ بكثرة المتاعب الداخلية والخارجية، التي لا شك لعبت دوراً في التحول الإيراني من تصلب يزدري دبلوماسية الخليج، ويراها مقيدة بترابطات لا تستهويها إيران، إلى انفتاح تزينه الابتسامات التي توحي بطيب ولين في المواقف والنوايا.

فمن أبرز الهموم التي تشغل إيران حالياً هي تعقيدات الوضع الداخلي، فالأغلبية لم تستطع التناغم مع أدبيات الثورة، ولا تجد راحة في القيود التي فرضها النظام، وتعاني من انعدام الأمن الداخلي، ومن شح في الضروريات، سواء في الغذاء أو في مواد البناء وفي مراكز العلاج، وأخطر من ذلك، التضييق على الأقليات وملاحقتهم في ممارسة شعائرهم ومعتقداتهم، والمضايقات حول مراكز العبادات. وفوق ذلك، فرض مواصفات محددة على المرأة ومظاهرها في الملابس، فلا توجد حرية في الاختيار، لا في السياسة ولا في حرية التعبير، ولا أحزاب تمارس مسارها السياسي والفكري، مع إبعاد المفكرين الإيرانيين وملاحقتهم، وإخضاع الجميع لمتطلبات الثورة والانسجام مع فلسفتها والولاء لإملاءاتها.

أفرزت هذه الأجواء الجافة المخاوف من سلوك النظام مع حتمية المواجهات الداخلية، وضغوطات خارجية تمس الاقتصاد، وتقلبات العملة، وتناقص الاحتياطي من العملات الصعبة. وفوق ذلك، إدراك قيادة الثورة استحالة تحقيق أهدافها في الداخل وفي الخارج، فالمعارضة الداخلية لم تتوقف وتهدر طاقات القيادة التي تلاحق الداخل وتراقب الخارج، فتدرك سلبية التعامل الإقليمي والانكماش العالمي من نوايا طهران في سلوكها المؤذي والمتواجد في جميع البقاع، خصوصاً الآن في عواصم أميركا اللاتينية، ومن تصاعد الحذر العالمي، وتقلُّص المساندة سواء في لبنان أو سوريا، كل هذه العناصر المتعبة والمعقدة، إضافة إلى الرئاسة الجديدة التي جاءت من انتخابات تحمل شيئاً من الاعتدال، دفعت قيادة إيران إلى تبنّي نعومة الاقتراب من دول الجوار، وفق تبادلية المصالح، وتبادلية الاحترام للأنظمة، والابتعاد عن التدخل في الشؤون الداخلية خليجياً وعربياً وحتى عالمياً، وفق ما تشير إليه بيانات الوزارة الجديدة.

وأهمية زيارة وزير خارجية المملكة العربية السعودية إلى طهران في أنها وبكل أمانة وضعت رسالة دقيقة، بضرورة إدراك إيران وقيادتها أن الدولة الوطنية الخليجية وقوتها ومتانة أعمدتها هي حقيقة ساطعة وثابتة، واستقرارها ضروري لتأمين دوام السكينة في الخليج، ولتأمين تواصل دول الخليج وترابطها مع الأسرة العالمية لضمان الاستقرار العالمي ومتانة للاقتصاد في هذا العالم، فالخليج آلية ثابتة ومؤثرة في الاستقرار العالمي، بما فيها أمن الممرات المائية العالمية.

نحن الآن نتطلع إلى الترجمة الصادقة للسلوك الإيراني تجاه دول الخليج وتجاه الأسرة العالمية، التي تصر على معالجة البرنامج النووي الإيراني ليتلاءم مع الأهداف السلمية. وإذا لم تسارع إيران للوصول إلى اتفاق مع مجموعة الدول الخمس زائد واحداً، فلن تنال ثقة أحد، بما فيها دول الجوار الخليجي، التي لا تقبل سلاحاً نووياً في المنطقة، وفوق ذلك على إيران أن تستمع إلى التحذيرات الأميركية باللجوء إلى القوة التي تدمر البرنامج وستؤذي إيران، وتزيد المنطقة قلقاً واضطراباً. وهنا ندرك مسؤولية دول الخليج في مواصلة شرح تبعات البرنامج النووي غير السلمي، لأن اللجوء إلى القوة لن يكون في مصلحة أحد ومؤذٍ لإيران ودول الجوار.

لا بد أن تعمل إيران بقناعة وجدية على القيام بمسؤولياتها لتقييد تحديات «حزب الله» للأمن والسلم في حوض الشام، وفي كل من لبنان وسوريا التي تتعرض يومياً لتدخلات إسرائيلية تقصف مواقع عسكرية تحتكرها إيران، وتسبب الخراب لكل من سوريا ولبنان، وبلا عائد تكسب إيران منه شيئاً.

وفي اليمن يعتمد الحوثيون على المساندة الإيرانية، التي لا بد أن تتوقف، مع تقديم النصح الصادق للحوثيين بالوصول إلى حل سلمي مقبول، بدلاً من استمرار الدمار وانقطاع الأمل لدى اليمنيين.

تقف إيران الآن أمام الاختيار المسالم البناء المعتمد على ثقة متبادلة بين الطرفين، الذي يحافظ على سلامة الثورة ويصونها من المواجهات المؤذية، وغير ذلك ستظل إيران في مسار مملوء بالألغام والمتفجرات التي تضر بمصالح شعب إيران، وقد تقضي على نظامها بفقدان الأمل من الشعب وغياب المزيد من التحمل.

جولة الوزير الإيراني عبداللهيان شارحاً تصورات إيران عن مستقبل المنطقة، المرتكز على طيب النوايا مع تجميل مخرجات الإعلام الإيراني، بالإضافة إلى مستجدات اللطافة الدبلوماسية، لا تكفي، فأهم التحولات التي تريدها دول الخليج في السلوكيات الإيرانية المستفزة والداعية إلى إثارة الطائفية، وضخ البرامج التي تحض على العصيان والتمرد، وفوق ذلك إخراج «حزب الله» من برنامجه المتحدي للنظام الإقليمي القائم، وتبصير طائفة الحوثيين بفوائد التفاهم ومميزات الحلول السلمية، مع تصويب السلوك الإيراني الخارجي، سواء في أوروبا أو في دول أميركا الجنوبية.

أهم مستجدات الخليج الآن تتمحور حول نوايا إيران، فإن التزمت بخطوط التفاهم التي حملها وزير خارجيتها، وأشادت بها دول الخليج، فسينتقل الخليج، لأول مرة منذ نصف قرن، من المواجهات إلى التفاهمات، وهي الخطوة التي تريدها الأسرة العالمية.

وتبقى جبهة، مزعجة دولياً، وهي انضمام إيران، بالاختيار إلى دعم تدخلات روسيا العسكرية واحتلالها جنوب دولة أوكرانيا ومساعدتها بالطائرات المسيرة Drones، ومساهمتها في تدمير بلد يتعرّض للغزو من دولة دائمة العضوية في مجلس الأمن، حمّلها ميثاق الأمم المتحدة مسؤولية المحافظة على الأمن والاستقرار العالمي، ومهما صاغت إيران من جمل وكلمات عن طيب نواياها، فلن يصدقها أحد، وستواجه غياب المصداقية، وستبقى دولة منبوذة بسبب اختياراتها.

هذه حقائق اليوم تلمع بوضوح أمام القيادة الإيرانية، وهل لدى رئيس إيران ووزير خارجيته القدرة على تجاوز المطبات، التي جاءت من سلوك داخلي وخارجي غير ملائم مع القانون وقواعد العمل، التي تشكل أساس الأمن العالمي؟

*نقلاً عن "القبس"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.