أصول المواطنة الكويتية.. وصنّاع الكويت
استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي
قرأت مقالاً كتبه د.سعود محمد العصفور، مستعرضاً التطور في تاريخ الكويت، الذي أفرز مواصفات حلت مكان محتوى المواطنة الكويتية ما قبل النفط الذي بدل كل شيء في الكويت، وكاد يمسح واقع الحياة في الكويت منذ نشأتها حتى عام 1952 تقريباً، مع توقف التجارة البحرية مع الهند وشرق أفريقيا، وانخراط العمالة الكويتية في متطلبات شركة النفط وقطع ترابطها مع البحر بشكل نهائي.
كانت ظاهرة عجيبة في نعي مصدر الرزق لمعظم الكويتيين المؤسسين بخروج الأغلبية من البحر إلى آبار النفط في جنوبي الكويت، وهجر البحر مع انقطاع تام عن السفن الكويتية الشراعية (الأبوام)، التي وجدت مشترين لها من سكان إيران على الساحل الشرقي للخليج، كما توقفت أيضاً مهنة الغوص بحثاً عن اللؤلؤ التي كسدت أسعاره مع البديل الزراعي.
أتذكر تلك الأبوام الكويتية في نقعة الشملان معطلة تضربها حرارة الشمس القاسية تبحث عن منقذ، معظمها وجد مشترين وكلهم من سواحل إيران، وقليل منها تآكل من شدة الحرارة ولم يعد صالحاً للبحر.
كانت تلك المناظر كئيبة ومحزنة، أنهت مصدر رزق للحياة، عاش آلاف من المواطنين وأسرهم من خيراته.
وتفنن في صناعة تلك السفن الضخمة آلاف من النجارين «الأستاذية» الذين لم يعد لهم مصدر للحياة، كما فقد عدد كبير من الخليجيين الذين كانوا بحارة في سفن الكويت مصدر معيشتهم.
المهم أن تدفق النفط أنهى حياة الكويت في حالة تشبه الحالة التي استحضرتها الثورة الصناعية في أوروبا، كما وضع حداً لأسلوب التعليم القديم ودفع أبواب الكويت للانفتاح لحاجة استخراج النفط إلى خبراء فنيين وجيولوجيين، ولأول مرة في تاريخها تتحول الكويت إلى بلد مستقبل للخبراء والمهاجرين من الجوار، كما اكتشفت حاجتها إلى تنوع في التخصصات والخبرات، لتنظيم حياتها في إدارة المال والأمن والحدود وتبني مستجدات في التعليم وفي الصحة وفي التخطيط المالي والإداري.
تغيرت أساليب الحياة ونوعية المعيشة، وانفتح المجتمع مع الجديد في التعليم، حيث تضاعفت أعداد المدرسين القادمين من البلدان العربية بثقافة مختلفة، وأسلوب حياة مختلف، وفوق ذلك، اختلاف في الأولويات، فمثلاً لم يكن الهم الفلسطيني في بداية الخمسينيات مؤثراً، وكانت حدود زيارة الكويتيين الخارجية نحو الهند وشرق أفريقيا وأراضي المملكة وإمارات الخليج، ومدينة البصرة وعبادان، ومع تصاعد أمواج الهجرة وتكاثر الوافدين وتحسن مستوى المعيشة، الأمر الذي سهل السفر للكويتيين إلى العراق والشام ومصر، مع تزايد أعداد المتزوجين من سيدات عربيات، ومع التوسع في كل مسارات الحياة، تصاعدت أعداد الوافدين، وتكاثر المستقرون مع اتساع الفرص لهم في القطاع الكويتي الخاص وفي الوزارات، وتصاعدت نسبة الوافدين لتفوق نسبة المواطنين، وهنا تنتعش الأحاسيس للحفاظ على الهوية الكويتية التي تتشكل المواطنة من محتوياتها، خصوصاً مع الاتساع في التجنيس الشرعي، وبروز التزوير في الجنسية مع تسلل ما يسمى ازدواجية الجنسية..
ومن كل ذلك، تولد الحرص على التمسك بمواصفات الهوية الكويتية التي احتضنت الأجيال القديمة، ما قبل النفط، واستوحت تقاسيمها من الذين بنوا المساكن على أرض قاسية، وأسسوا مجتمعاً صغيراً يتكاثر مع الاستقرار، وهندسوا صناعة السفن الخشبية، وأبحروا فيها إلى المحيط الهندي شرقاً وغرباً، ورسموا خريطة حياة للمواطنين، تبدأ بحمل تمور من البصرة إلى الهند ومنها إلى شرق أفريقيا، وعودتهم حاملين نوعاً من الخشب الأفريقي يصلح للبناء، في دورة سنوية تستغرق حوالي عشرة أشهر.
هذا التقدير الزمني لغياب الأهل عشناه نحن كأسرة رجالها نواخذة بحر، وكان شقيقي المرحوم النوخذة عيسى بشارة آخر من ترك البحر، قضى فيه عشرة أشهر من السنة بين الهند وأفريقيا، وعبر المحيطات خمس عشرة مرة..
وعند تفحص وتحليل المواطنة الكويتية الكثيرة الحساسية، خصوصاً في ضوء الغزو اللئيم، نقف عند حقائق لا تتوافر في الهويات الأخرى، لمسببات عدة، منها ما يسهل فهمها، ومنها لا يخلو من الشكوك، زرعتها تجربة الغزو، وأبرزها أنهم -صناع الكويت- بنوا مجتمعاً ضم أصحاب مهارات في التجارة والحدادة وبناء السفن، تفاهموا مع البحر، ومن ذلك الإنجاز تحول العدم الصحراوي إلى دولة حفرت لها مكانة عالمية بقيم إنسانية عالية ووثيقة متحضرة لقواعد الحكم، ولا يمكن أن ننكر أن حادثة الغزو خلقت حالة من الغضب من الصعب أن تغيب، مع خوف من تسلل غير الجدير بالمواطنة إلى داخل الصف الوطني، خصوصاً مع اكتشافات التزوير وعمليات البيع والشراء من شريحة الدخلاء.
في عام 1971، انتقلت إلى الأمم المتحدة مندوباً دائماً للكويت لدى المنظمة العالمية، وما أثار اهتمامي في عملي في نيويورك المبالغة الحادة في الحرص على الدولة الوطنية، فكل شيء في الأمم المتحدة وفي ميثاقها وفي مداولاتها تأكيد على قدسية الدولة، فالميثاق يصون سيادتها وسلامة ترابها واستقلالها، وحماية حدودها، فلا شيء في الخطب ولا في اللجان ولا في وثائق المنظمة عن أهمية القوميات، ولا أثر لدعوة اتحاد أو وحدة، فالجوهر هو الدولة بقدسيتها، كما يحتضنها الميثاق، ونتذكر أنه في عام 1971 انفجرت الحرب بين باكستان والهند حول الجزء الشرقي من باكستان الذي يقطنه مواطنون بنغاليون، يجمعهم مع باكستان الغربية وحدة الدين فقط، ولا يوجد غير ذلك، لا مشاعر ولا تعاطف، مع رغبة قوية في الانفصال الذي تحقق، بعد تدخل الهند دعماً للبنغال نحو الاستقلال.
وصحيح أن الاتحاد السوفيتي كان يحمي الهند بالفيتو ليعطل أي قرار ضد الهند، لكن السبب في الانفصال البنغالي الإجماع الشعبي ضد باكستان، ولهذا تقبلت الأمم المتحدة الحقائق التي صنعت الحرب.
ويبقى صوت الميثاق ومبادئه وبنوده كلها تصب في مسار الدولة الوطنية.
أعود إلى ما أثاره الكاتب الدكتور سعود العصفور عن جهل الجيل الحاضر بتعبيرات الماضي وعدم معرفته بالمفردات البحرية أو البرية، وهذه حقيقة أعاني أنا شخصياً منها، فابني البالغ من العمر اثنين وخمسين عاماً لا يعرف كلمة واحدة من قاموس البحر، رغم انتمائه إلى عائلة نواخذة مارست المهنة من جيل إلى آخر، وشقيقي النوخذة عيسى بن يعقوب بشارة آخر من ترك البحر من النواخذة عام 1957، ويبقى الحرص على معرفة جيل اليوم بحقائق الأمس، من مفردات وأسلوب معيشة ومعاناة وانجازات، ولا شك في أن القراءة والاهتمام بثقافة الماضي وبحقائق التراث تساعد كثيراً في معرفة حياة الأجداد براً وبحراً.
يبقى إرث الكويت البحري، بشقيه، غوصاً وإبحاراً في المحيط، العنصر الأهم في آليات المواطنة الكويتية..
ومهما تغنينا بأنغام الماضي البحري الذي كان حضن الحياة في الكويت، نعيش الآن مع خريطة للهوية الوطنية أوسع خطوطاً من خريطة الماضي، فالاتساع في التجنيس أمر حتمي مع التطور نتناغم إيجابياً معه، وأكثر من ذلك أن تجربة الغزو ولدت شريحة فدائية تصدت للغزاة والتحقت بمسار المقاومة الكويتية وسجلت انتماءها بدمائها، ولم تكن مدفوعة للتكسب وإنما بغريزة الولاء، وحتماً وجدت هذه المجموعة الترحيب المستحق للالتحاق بالهوية الوطنية.
فالواقع رسم تقاسيم مستجدة تضاف إلى المحتويات القديمة، ومن هذه الشراكة تعالت قيم المواطنة.
نقلا عن القبس