لماذا أوبنهايمر؟
استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي
القرن العشرون جاء كفجر جديد للعلوم بشكل عام، وللفيزياء - سيدة العلوم الطبيعية - بشكل خاص، إذ افتتح بفرضين علميين هما فرض (كوانتم) الطاقة للعبقري لماكس بلانك، وفرضية النسبية بشقيها الخاص والعام لآينشتاين. العالم الألماني ماكس بلانك نشر نظريته عن انتقال الطاقة على شكل حزم كمية متساوية (كوانتم) وليس على شكل سيل متصل من الطاقة كما كانت تعتقد الفيزياء الكلاسيكية في فرعها الكهرومغناطيسي، الأمر الذي آذن ببداية انقلاب علمي غيّر مجرى تأريخ العلم وفتح باباً جديداً أطل منه فجر مختلف في بداية القرن العشرين عن كل ما أنجزته العلوم البشرية منذ بدء الخليقة. وكما نعلم أن الذرة تمثل وحدة المادة الأصغر التي لا تتجزأ ، يخبرنا بلانك بفرضيته: أن الحزمة الواحدة من (الكوانتم) تمثل وحدة الطاقة الأصغر التي لا تتجزأ. حين نشر بلانك هو الفيزيائي الأشهر في وقته نظريته؛ كان الشاب آينشتاين ذو الخمسة والعشرين ربيعاً يقوم بتطوير نظريته النسبية الخاصة لينشرها عام 1905، دون أن تلفت الأنظار لأنها جاءت من شخص مجهول ومن خارج الأوساط العلمية، باستثناء نظر بلانك الذي تبنى الفيزيائي الشاب وعينه محاضراً في جامعة برلين.
هاتان النظريتان (الكمومية والنسبية) غيرتا المشهد العلمي الفيزيائي وأنهيتا حقبة ما يسمى عصر الفيزياء الكلاسيكية التي بدأت بتصورات جاليليو، وتأكدت بنظريات نيوتن للحركة ولقوى الكون الميكانيكية، ومرت بقوانين ماكسويل في الضوء والكهرباء.
وبالمناسبة، مجمع اللغة العربية وضع مصطلح (الكمومية) كترجمة لمصطلح (quantum)، إلا أن المصطلحين الدارجين الآن هما مصطلح فيزياء الكم أو فيزياء الكوانتم، وكلاهما مجانب لصواب ترجمة المصطلح الأجنبي.
أصيبت الأوساط العلمية بحمى شغف علمي حادة بعد هاتين النظريتين، فشهدت الفترة من عام 1905 إلى 1939م ظهور أهم عباقرة الفيزياء - ربما - في التأريخ مثل بور، وشرودنجر، ودي بروي، وهيزنبيرج، وماكس بورن، وبول ديراك، وماري كوري، ورذرفورد، وجميعهم حصلوا على جائزة نوبل ومنهم من حازها مرتين. هذا التسابق العلمي الذي غُذي بالصراع السياسي خصوصا بين ألمانيا النازية من جهة وأميركا وبريطانيا من جهة أخرى، كان البداية التي أشعلت شرارة السباق لتصنيع القنبلة الذرية، وما لحقها من سباق في تصنيع أسلحة الدمار الشامل الرهيبة.
سبق "مشروع مانهاتن" لتصنيع القنبلة الذرية بحوث أميركية وتطوير مفاعل ذري مختبري صغير، إلا أن المشروع شارك فيه الآلاف من العلماء، بشكل مختلف هذه المرة، بمن فيهم الفيزيائي النظري روبرت أوبنهايمر في قواعد عسكرية سرية في مواقع نائية. المشروع انتهى بإسقاط القنبلتين الذريتين على مدينتي هيروشيما وناغازاكي اليابانيتين في أغسطس 1945، مما أدى إلى نهاية الحرب العالمية الثانية، وقتل أكثر من 100000 شخص مدني.
مؤرخ العلوم أليكس ويلرستين يشرح في نظرة عامة أن فكرة المشروع بدأت من أواخر الثلاثينيات، كردة فعل على معلومات تفيد أن ألمانيا النازية قد تبني قنبلة ذرية، لذلك يجب على الولايات المتحدة القيام بذلك أولا. وقد عمل العديد من العلماء الألمان، ومنهم هيزنبيرج على فكرة القنبلة الذرية النازية، إلا أن العديد من العلماء فروا إلى الولايات المتحدة مفضلين قنبلة ذرية أميركية على قنبلة هتلر، بمن فيهم الفيزيائي المجري المولد ليو زيلارد.
في يوليو 1939، قام زيلارد وآخرون، وبمساعدة ألبرت آينشتاين، بكتابة رسالة إلى الرئيس فرانكلين روزفلت حيال موضوع القنبلة الألمانية، فغيرت رسالة آينشتاين-زيلارد - كما هو معروف- التاريخ، ودفعت روزفلت إلى عقد لجنة للتحقيق في إمكانية بناء قنبلة ذرية، التي تمخضت في عام 1941 عن ولادة "مشروع مانهاتن" لتصنيع القنبلة الذرية.
الفيلم المعروض حالياً بعنوان (أوبنهايمر)، رغم مايكال له من مديح ممن شاهدوه، إلا أن المستغرب هو اختزال هوليوود لعنوان الفيلم وحصره باسم عالم فيزيائي واحد برع كمدير فني للمشروع، وهو نفس العالم الذي لم يستطع الحصول على جائزة نوبل في الفيزياء، في حين أن عشرين عالماً آخرين ممن شارك في المشروع - بشكلٍ مباشر وغير مباشر - حصلوا على جائزة نوبل. ثم التساؤل الآخر هو: هل ناقش الفيلم لماذا ألقيت القنبلتان على مدينتين يابانيتين آهلتين بالمدنيين ولم تقليا على مدن أوروبية مثلاً، ولمّا ألقيتا عليهما، فلماذا على المدنيين اليابانيين الأبرياء وليس على معسكرات الجيش الياباني؟!.
من المؤكد أنه لا يخفى على الجميع معرفة من يسيطر على صناعة السينما في هوليوود، كما لا يخفى علينا- كذلك - أصول أوبنهايمر وكثير من مساعديه من العلماء الكبار ممن فر من النازية وممن كانوا يعيشون خارج ألمانيا، ولكنه ينتمي ويتعاطف مع أبناء جلدته، فتصنع منهم هوليوود نجوماً يحتلون مساحة كبيرة في أذهاننا وتمنحهم جائزة نوبل خاصة بها من حيث لا نعلم.