الدولة الإسلامية وشرعية الإمكان (1-2)

حسين القاضي
حسين القاضي
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
3 دقائق للقراءة

مصطلح «الدولة الإسلامية» شاع وانتشر فى أدبيات الحركات الإسلامية، وتشوشت الرؤية وبرز التناقض، وغابت أصول وقواعد النظرة الشرعية إلى المجال السياسى، وإلى طبيعة السلطة، وبالتالى غابت النظرة الصحيحة لمفهوم الدولة الإسلامية، وبسبب الإلحاح على مفهومها الخاطئ بقيت التنظيمات الدينية عاجزة عن الخروج من هذا الاختلال.علماء المسلمين كالشاطبى والغزالى والجوينى وابن تيمية يقسمون مجالات عمل الإنسان إلى: (عبادات)، ومجال (عادات)، والتمييز بينهما جعله الإمام الشاطبى من مقاصد الشريعة، فقال فى كتاب (الموافقات): «من مقصد الشارع التفرقة بين العبادات والعادات»، هذه التفرقة التى عليها علماء المسلمين ذات تأثير كبير فى فهم الدين، ومن أخطر مداخل التشدد والجمود عدم الانتباه لهذه التفرقة، وهو ما وقعت فيه الحركات الإسلامية، والتفرقة هذه تأكيد على الجانب المدنى فى تصرفات المسلم مما ليس له علاقة بالعبادات.
ومن هذا نتأكد أنه لا يوجد نظام سياسى واحد ومحدد دعا إليه الإسلام، فالسياسة فى الإسلام مجال مفوض للاجتهاد البشرى، لم يطالبنا الإسلام -كما تعتقد حركات الإسلام السياسى- بالبحث عن سند شرعى من النصوص عند أى إجراء جديد تتخذه الدولة، فليس من المنطقى شرعاً السؤال عن الدليل على جواز العمل أو الإجراء السياسى، بل إن مقتضيات الشرع أن نقول للسائل: ما دليلك على المنع، وإن لم تأتِ بدليل على المنع، فالإجراء جائز من حيث المبدأ.
ليس فى الإسلام شكل محدد لبناء الدولة ووظائفها، ومن ثم فالحديث أو السعى أو ضياع العمر والمستقبل من أجل البحث عن وجود «نظام سياسى محدد فى الإسلام» مجافٍ للحقيقة والواقع والشرع، وهذا لا يعنى خلو السياسة من أى قيد شرعى، بل يطلب من المسلمين مقاصد ومبادئ عامة يمكنهم الالتزام بها فى المجال السياسى.
الدكتور سعد الدين العثمانى، أحد قيادات حزب العدالة والتنمية بالمغرب، ورئيس وزراء المغرب السابق، وهو أحد مفكرى الإخوان الذى قاد مراجعات فكرية تناول هذه المسألة فى دراسة مهمة، عنوانها: (الدولة الإسلامية.. المفهوم والإمكان)، قرر -وفقاً لكلام علماء الإسلام- أن السياسة من أمور العادات التى يبحث فيها المسلم عن المصلحة فى ضوء مقاصد الشرع، وليس من أمور العبادات، التى يلتزم فيها المسلم حرفياً بكل كبيرة وصغيرة، ويسوق عدداً من الأدلة المختلفة والقوية على أن تصرفات الرسول السياسية هى تصرفات دنيوية اجتهادية، لا يلزم اتباعها بالنص، وأن لشهاب الدين القرافى المتوفى 684هـ، كتاباً خصصه لهذا المعنى، عنوانه (الإحكام فى تمييز الفتاوى عن الأحكام وتصرفات القاضى والإمام)، يذكر فيه أن «القضاء يعتمد الحجاج، والفتيا تعتمد الأدلة، والإمامة (السياسة والحكم) تعتمد المصلحة الراجحة»، وابن القيم له كتاب (الطرق الحكمية)، أورد فيه نماذج من تصرفات النبى -صلى الله عليه وسلم- وخلفائه الراشدين، أوضح خطأ من يعتبر هذه التصرفات تشريعاً عاماً للأمة.العثمانى فرق بين الأمة السياسية التى تتكون من أشخاص يجمعهم وطن واحد، ولو كانوا متفرقين فى العقائد والانتماءات، وبين الأمة الدينية، التى يجمع أفرادها رابطة الإخوة الدينية والعقدية، والخلط بينهما يؤدى إلى خلل فى فهم الإسلام وتشريعاته ومقاصده.
وعليه، فإن إقامة الدولة حين تصبح الشغل الشاغل والغاية القصوى للتنظيمات فإن هذا يصبح وضعاً للأمور فى غير نصابها، كما أن خوض معارك تحت شعار «الدولـة الإسلاميـة أولاً»، وتجنيد كافة الطاقات والإمكانيات لهذا الأمر هو نوع من الخلل الكبير، لأن الشرع ليس فيه نص صريح يأمر بإقامة الدولة، ولا حتى يدعو للترغيب فى إقامتها على غرار الترغيب فى سائر الواجبات.يتبع.. إن شاء الله.

* نقلا عن "الوطن"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط