الغليان الحرارى والسياسى

نبيل فهمي
نبيل فهمي
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط

استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي

0:00
5 دقائق للقراءة

نحن فى منتصف موجة حارة بالغة القسوة، فرضت على الجميع تنظيم البرامج والنشاط، واختصار الجهود، سكونًا وقلة حركة، ووفرت فرصة للتفكير فى القضايا العامة الدولية والوطنية.

وسألت نفسى أولًا عما إذا كان الشعور بارتفاع الحرارة استثنائيًا، باعتبار أن الصيف دائمًا هو أكثر المواسم حرارة، فوجدت إحصائيات علمية موثقة تؤكد الارتفاع غير المسبوق فى درجات الحرارة عالميًا خلال هذا الصيف، بل وأن الإثنين ٣ يوليو كان الأشد حرارة فى التاريخ، فى ظل حلقات متصلة لارتفاع حرارة الأرض بمعدل 0.08 سنويًا كل عشر سنوات منذ ١٨٨٠، معدلات تضاعفت منذ ١٩٨١، فضلًا عن أن عددًا غير قليل من أكثر السنوات دفئًا كانت منذ عام ٢٠١٠، وأن دولة مالى هى أكثر دولة من حيث ارتفاع الحرارة خلال العام الجارى.

والحرائق الصيفية فى غابات أمريكا وكندا وأوروبا، وارتفاع درجات الحرارة عن المعتاد فى بلدى مصر، ولا علاقة لذلك بحرب أوكرانيا، أو مشاكل توليد الطاقة الكهربائية، ويرجح العلماء أن السبب الرئيسى لذلك هو التغير المناخى، بل صرح سكرتير عام الأمم المتحدة أخيرًا بأننا بدأنا «عصر الغليان الحرارى».

قضية التغير المناخى تحظى بقدر كبير من الاهتمام الدولى، والمرتبط بالشرق الأوسط الآن، نتيجة للخسائر الجمة الناتجة عن تداعياتها على الرقعة الزراعية وكمية المياه المتاحة، وتوافر قدر كبير من البترول الخام والغاز فى المنطقة، والذى يفرض على دولها إجراء تغييرات جذرية فى اقتصاداتها للتحول إلى اقتصادات تطلق معدلات أقل من الانبعاثات الضارة، استضافت مصر العام الماضى مؤتمر تغير المناخ رقم ٢٧، وكان من أبرز إنجازاته الموافقة على إنشاء صندوق ليساعد الدول النامية فى تمويل التحول إلى الطاقة المتجددة، وهى خطوة نأمل أن تترجم إلى خطوات ملموسة، وتحظى بالدعم اللازم دون المزيد من التأخير على غرار ما تم بالنسبة لوعود الدول الصناعية السابقة.

كما تستضيف دولة الإمارات الدورة الـ٢٨ لمؤتمر المناخ قبل نهاية العام الحالى، مما يجعل العالم ينظر باهتمام لتطور مواقف الدول البترولية من تلك القضية، خاصة وقد وعدت بالفعل ببرامج نشطة وطموحة لتخفيض انبعاثات ثانى أكسيد الكربون، مع تمسكها بضرورة التزام الكل بنظم شاملة وخطط واضحة وعادلة وثابتة لتخفيض الانبعاثات دون ازدواجية فى المعايير، خاصة أن غاز الميثان المصاحب للمخلفات الحيوانية فى المراعى والأراضى الزراعية يعتبر من أقوى مصادر انبعاثات غاز الميثان الضار، وبعد عودة عدد من الدول الأوروبية إلى استخدام الفحم لتوليد الطاقة، وهو من أخطر مصادر الطاقة المضرة للبيئة والمناخ.

وجذبتنى حرارة الجو نحو التفكير أيضًا فى «السخونة والغليان السياسى» والنزاعات والحروب التى تندلع خلال أشهر الصيف، خاصة فى منطقة الشرق الأوسط، فى ليبيا، والسودان، وفلسطين، واليمن، وأزمة فى سوريا. منطقة مشتعلة سياسيًا وعسكريًا بأى معيار من المعايير، وهناك توتر وقلق مشروع على المستوى الدولى، مع أحداث أوكرانيا وإعادة الحديث عن المواجهات والصدامات بين الدول الكبرى، واللجوء إلى القنابل العنقودية المنبوذة دوليًا والمحرمة فى العديد من الدول، وانتشار الأسلحة النووية التكتيكية فى بيلاروس وإلغاء اتفاق توفير القمح الأوكرانى.

ووجدت أن التاريخ ملىء بالمعارك والحروب التى بدأت فى أشهر الصيف الساخنة تحديدًا، حتى إذا قصرنا البحث على سنوات محدودة وما يرتبط بأوضاع عربية، منها الحرب العربية- الإسرائيلية فى ٥ يونيو ١٩٦٧، وغزو العراق للكويت فى ٢ أغسطس ١٩٩٠.

وأول ما استخلصته من التأمل والتفكير مع السخونة البيئية والسياسية والعسكرية التى نشهدها ونعانى منها خلال صيفنا الحالى، كان أن السبب الرئيسى لأغلب مظاهر السخونة البيئية والسياسية هو عدم التزام الأطراف بقواعد القانون، وتجاوزات القوى على الضعيف.

والخلاصة الثانية أن أغلب تلك المشاكل لا تنحصر فى منطقة النزاع المباشرة أو داخل حدود الطرف المبالغ والمخالف، ولها تداعيات تتجاوز الحدود الوطنية للدول، كان ذلك بالنسبة لحرارة الجو والمناخ، باعتبار أن النمو الاقتصادى الممنهج والسريع للدول الصناعية كان مصدرًا لانبعاثات ضخمة أثرت على الجميع، فى حين أن الدول النامية مطالبة الآن بتخفيض استهلاكها للطاقة، ومن ثم معدلات التنمية فيها، وأن النزاعات العسكرية عامل هادم للاستقرار وطارد للمواطنين، ينتهى فى أغلب الأحيان إلى نزوح اللاجئين، وعبورهم حدود دول الجوار بحثًا عن الأمن والأمان، وعليه فمن الضرورى أن تكون هناك قواعد دولية عامة للكثير من الظواهر والممارسات.

والخلاصة الثالثة هى أن الغالبية العظمى من المشاكل والنزاعات الدولية لا تحل منفردة، وتستدعى وبشكل ملح وعاجل التعامل متعدد الأطراف على المستويين الإقليمى والدولى، سواء كان ذلك فى التغير المناخى وتداعياته البيئية، مثل ندرة المياه والأمن الغذائى والصحى، أو فى حل النزاعات السياسية وتداعياتها، فلا استقرار فى المشرق دون حل النزاع الإسرائيلى- الفلسطينى، أو فى سوريا أو السودان أو ليبيا، دون توافق سياسى مع دول الجوار من ناحية، وتوفير تمويل دولى لجهود إعادة الإعمار، ولابد من الحد من توجيه التكنولوجيا الحديثة لأغراض عسكرية هدامة، وتصحيح الخلل فى النظام الدولى المالى، وهيمنة الدولار وعملات الدول الصناعية المتبنية للاقتصاد الحر، مما يجعلها عناصر حاكمة على الأسواق والمصالح عالميًا.

ورابعًا.. لا حل لقضايانا السياسية أو الاقتصادية أو المجتمعية دون توافر عقد اجتماعى دولى جديد على أساس توازن المصالح والحقوق وفقًا لقواعد عادلة وتطبق دون ازدواجية فى المعايير، فى سياق منظومة متعددة الأطراف، عالمية وإقليمية ووطنية، تشمل وتستمع وتستجيب للرأى والرأى الآخر، وقد آن الأوان لبدء تحرك وحوار دولى جاد فى هذا الخصوص.

نقلاً عن "المصري اليوم"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط