دلالات مقتل الخليفة الرابع وعوامل انهيار "داعش"

منير أديب
منير أديب
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط

استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي

0:00
5 دقائق للقراءة

هل يوجد رابط بين إعلان تنظيم "داعش" خلال الساعات الماضية عن مقتل خليفته الرابع أبو الحسين الهاشمي القرشي، وما بين عوامل انهيار التنظيم، الذي نجح في إقامة دولة له في 29 حزيران (يونيو) 2014؟ ولماذا يتمّ الربط دائماً بين مقتل قيادات التنظيم الأكثر تطرّفاً وبين انهياره وتفكّكه؟ وماذا حقّق العالم الذي يواجه التنظيم منذ قرابة 9 سنوات من نجاحات على مستوى تفكّك التنظيم وأيضاً تفكّك أفكاره المؤسِّسة له؟

أعلن "داعش" يوم الخميس في 3 آب (أغسطس) 2023 مقتل الخليفة الرابع له على لسان المتحدث باسمه أبو حذيفة الأنصاري، عبر تسجيل صوتي نُشر على إحدى القنوات التابعة للتنظيم على موقع "تلغرام"، من دون أن يوضح متى قُتل خليفة التنظيم، ومتى تمّ تعيين الخليفة الجديد له، كما أنّه كالعادة لم يذكر أي معلومات تخصّ الخليفة الجديد غير كنيته، أبو حفص الهاشمي القرشي، حاله كحال الخلفاء السابقين عند الإعلان عنهم.

صحيحٌ أنّ أبو حذيفة ذكر بعض صفات الخليفة الجديد، كوصفه بـ"المقدام والشجاع"، وأنّه سوف يُقيم العدل بقطع رؤوس من سمّاهم الكفار والصليبيين، وقارن بين خلفاء التنظيم المتطرّف والخلفاء الراشدين، قائلاً: "إنّهم قُتلوا جميعاً"، مبرّراً الهزيمة التي مُني بها التنظيم بأنّها حلقة من حلقات الصراع مع الباطل!

نسي أو تناسى الملقّب بأبو حذيفة الأنصاري بأنّ الخلفاء، أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب، اجتمعت الأمّة على عدلهم في السابقين واللاحقين، حتى أُطلق عليهم الخلفاء الراشدون، وأنّهم استمدّوا رشدهم من قربهم من الرسول (صلى الله عليه وسلم)، وقُتل أغلبهم على يد الكفار، فما وجه المقارنة إذاً مع القتلة وسافكي الدماء من خلفاء "داعش"

صحيحٌ أنّ "داعش" انتقل من مرحلة الدولة إلى مرحلة اللادولة بعد إعلان سقوطه من قِبل الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب، في 22 آذار (مارس) من العام 2019، وتحرير مدينة الموصل في العام 2017، ومنذ ذلك التاريخ تحوّل التنظيم إلى خلايا خاملة وبعضها نشط، ينتشر أغلبها في الظهير الصحراوي في العراق وسوريا وتحديداً في البادية السورية.

هذا في حدّ ذاته نجاح. ولكن المجتمع الدولي من خلال التحالف الذي تمّ تدشينه في العام 2014 تجاوز فكرة القضاء على التنظيم فيزيائياً وجغرافياً، ولا يمكن الاستمرار في التغنّي بهذا الانتصار بعد 4 سنوات من تحقيقه، بخاصة أنّ التنظيم بات يُشكّل خطراً أكبر مما كان عليه عندما أقام دولة له على حدود مدينتي الرقة والموصل.

وهنا يمكن القول، إنّ التنظيم ما زال حياً رغم مواجهته من قوات الأمن المحلية في كل من العراق وسوريا، مع قوات التحالف الدولي، رغم مرور أكثر من 9 سنوات على ظهوره، وما زال يُهدّد الأمن والسلم في المناطق التي ينتشر فيها، وهذا إنّ دلّ فإنما يدل على خلل في الاستراتيجيات الدولية الخاصة بمواجهته.

ما زالت خلايا التنظيم تشكّل تهديداً بوجودها في أماكن كثيرة، خلايا غير مرئية تتحرّك بين الوقت والآخر، فتهاجم أماكن استراتيجية وحيوية تخصّ حياة النّاس، بعضها مرتبط باقتصاد سكان المناطق التي يُهاجمونها، مثال الاعتداء على جامعي فطر الكمأة وسائقي شاحنات نقل الوقود، وهذا يُصيب حياة النّاس بخلل ويؤثّر بشكل مباشر على معيشتهم وما يخصّ طعامهم ومستلزمات المعيشة الخاصة بهم.

"داعش" نجح في تنفيذ عمليات نوعية من خلال الاعتداء على أسواق وتجمّعات عملاقة يوجد فيها عدد كبير من البشر في العراق، وقد قتل فيها المئات من الأبرياء، عملية تلو الأخرى، وتكرّر الأمر في المناطق السورية حيث استهدف رجال أمن سوريين، فضلاً عن استهداف عناصر التنظيم للسجون التي يوجد فيها هؤلاء "الدواعش" في شمال شرق سوريا، وهذا يدلّ على وجود التنظيم، بل وعلى قوته أيضاً.

وهو ما يدحض فكرة انتهاء التنظيم الذي ما زال موجوداً بخلاياه النشطة والخاملة، خلايا قادرة على الفعل والعمل وتهديد الأمن، بخاصة أنّ المجتمع الدولي يبدو أنّه غير جاد في مواجهة بقايا التنظيم والقضاء على ذيوله، مثل تفكيك مخيمات عوائل وأسر التنظيم التي يوجد فيها أكثر من 50 ألفاً من الأطفال والنساء الذين يُشكّلون خطراً على الأمن، بخاصة أنّ هؤلاء بمثابة جيل جديد من مقاتلي "داعش"، فقد لوحظ خضوع هؤلاء الصغار لتدريبات عسكرية داخل هذه المخيمات تُشرف عليها أمهاتهم اللواتي ترضعهم أفكار التنظيم وتبث فيهم ما كان في آبائهم حتى يستمر التنظيم باقياً.

كما أنّ المجتمع الدولي فشل أيضاً في حلّ مشكلة سجناء تنظيم "داعش"، ورفضت أغلب الدول استقبال هؤلاء "الدواعش" أو حتى محاكمتهم على أراضي بلادهم، وهو ما جعل خطر التنظيم مستمراً، واحتمال هروب هؤلاء مرّة ثانية، على غرار ما حدث في سجن غويران في الحسكة السورية في نهاية كانون الثاني (يناير) من العام 2022.

وبالتالي، لو قُتل 10 خلفاء لـ"داعش" وليس 4 فقط لن يغيّر من الأمر شيئاً؛ فالتنظيم يحتاج إلى مواجهة من نوع آخر تقضي على ما تبقّى من خلاياه، كما تقضي على البذرة الصغيرة للتنظيم الممثلة في الأطفال الذين يتمّ إعدادهم في هذه المخيمات.

العالم لم يُحقق أي منجز حقيقي في مواجهة خطر "داعش"، غير أنّه حوّله من دولة "داعش" إلى ما كان عليه في السابق تنظيم "داعش"، لكن خطر التنظيم لا يقلّ عن خطر الدولة التي تمّ تفكيكها، وربما يزيد خطر التنظيم عن خطر الدولة. وهنا غابت الاستراتيجية الدولية في مواجهة الأخطار المحتملة حتى للتنظيم، ما زاد من خطر "داعش" حتى بعد مقتل 4 خلفاء له.

نقلاً عن "النهار"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط