أخلاق الغرب و«نوتوهارا»!

أحمد الصراف
أحمد الصراف
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط

استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي

0:00
3 دقائق للقراءة

«... الأخلاق هي أن تفعل الصواب بغض النظر عمّا يقال عنك، أمّا العقيدة فهي أن تفعل ما يقال لك، بغض النظر عن الصواب..!» (هنري منكن).

عند الحديث عن الأخلاق في الغرب يجب أن نفرق بين الشعوب وحكوماتها، وبين حكومة وأخرى، لا إرث استعماري أو عدائي لها.

***

مع كل تصادم ثقافي بين العرب والمسلمين مع الغرب تبرز مقولة «انهيار» الأخلاق في الدول الغربية، وآخر مظاهرها ما أصبحنا نراه من انحلال متمثل في تصرفات المثليين في مختلف المناسبات، مع الإشادة، الكاذبة، بأخلاق مجتمعاتنا الفاضلة!

المشكلة تكمن في أن مفهومنا للأخلاق خاطئ أساسا ومحصور في الناحية الجنسية، وفي المرأة تحديدا، علما بأن المعنى العام للأخلاق أشمل وأكثر تعقيدا من أن يُحصر في الأعضاء التناسلية. لذا نميل للتعامي عن كل «فضائل» الغرب ولا نرى إلا ما نعتقد أنه «انفلات» أخلاقي، يتمثل غالبا في تحرر المرأة بدرجة يصعب على عقولنا، المبرمجة تقليديا، تقبله بسهولة، وبالتالي لا نرى الجانب الإنساني المشع في الغرب، الذي قاد مسيرة تحرر الجنس البشري من خلال مئات الأعمال والقرارات والمواثيق والمنظمات الدولية، التي كان من الممكن أن تكون البشرية في وضع لا يطاق من غيرها، كإنشاء الأمم المتحدة، وعشرات المنظمات التي تفرعت عنها، والإعلان العالمي لحقوق الإنسان، الوثيقة الإنسانية الأهم في التاريخ البشري.

كما تتمثل الأخلاق في الغرب في مجموعة أمور لا نعيرها غالبا كثير اهتمام، كاحترام الحرية الشخصية، واحترام الوقت، والمحافظة على الممتلكات العامة، والحرص على المشاركة في الانتخابات، وارتفاع نسبة الملتزمين بدفع ما عليهم من ضرائب، وغير ذلك من تصرفات حضارية دافعها أخلاقي بحت.

كما أن هامش الحرية في الدول الغربية يجعل أفرادها أقل نفاقا، بسبب مرونة مواقفهم من العقائد، ورفض تدخل الغير فيها، بخلاف ما هو سائد في دولنا، التي يعتقد البعض أن دوره يكمن في هداية الآخرين، وسوقهم للجنة، ولو عنوة.

***

لم يفضح أجنبي علاقة مجتمعاتنا بالأخلاق كما فعل الياباني نوبواكي نوتوهارا، أستاذ الأدب العربي في جامعة طوكيو، ومؤلف كتاب «العرب.. وجهة نظر يابانية». عاش نوتوهارا في العالم العربي طويلا، وتنقل بين مصر وسوريا، وعاش في المدن والقرى والبوادي؛ دارسا الثقافة العربية مركزا على شخصية العربي ضمن الأسرة والمجتمع وعلاقته بالأنظمة والأعراف والقوانين. بعد أربعين عاما وضع في 2003 كتابا لخص فيه مشاهداته وتقييمه لمجتمعاتنا، مركزا على سلبيات التجربة الاجتماعية العربية بالمقارنة مع التجربة اليابانية، مركزا على علاقة المواطن العربي بالأنظمة السياسية والقوانين، وطريقة تعامله مع فكرة الدولة والنظام السياسي، واقترانها بطريقة تعامله مع الممتلكات العامة، مشيرا إلى حالة الدكتاتورية السياسية، ووأد الحريات، وحالة القمع التي تعيشها أغلب المجتمعات العربية المتأزمة، التي تسيطر أزماتها على كل جوانب الحياة فيها، فتنعكس على المبدعين والموهوبين الذين يتعرضون لمحاولات الإفشال والتهميش، فيهاجرون منها لغيرها، حيث مجال الإبداع أكبر.

من انطباعات نوبواكي الشخصية، حول مختلف القضايا التي تعيشها المجتمعات العربية، لا سيما الحرمان ومصادرة الحرية الشخصية، والشعور بالاختناق والتوتر، كونها سمات عامة للمجتمعات العربية، مع نظرات عدوانية تملأ الشوارع، واعتقاد العرب أن الدين أعطاهم كل العلم.

وقال إن العربي عندما يدمر الممتلكات العامة يعتقد أنه يغيض الحكومة. كما يصر على تعظيم قيمته في البيت وفرض سيطرته، لكنه في خارجه يصبح شخصا آخر، وهذا التناقض ينتج عنه غالبا الرياء والنفاق... إلى آخر ذلك من ملاحظات.

الكتاب صغير، لكنه مكثف وجدير بالدراسة، وحتى بالتدريس في مدارسنا، فلن نتغير للأفضل ما لم نعرف حقيقتنا.

* نقلا عن " القبس"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط