الكحَّالة... وأصل البلاء

بشارة شربل
بشارة شربل
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط

استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي

0:00
دقيقتان للقراءة

مرة جديدة يضع اللبنانيون أيديهم على قلوبهم خشية أن يتكرر المحظور. ومرة جديدة يظهر كم أن السلم الأهلي الذي امتدحناه طويلاً هشّ وقابل للاختراق والاحتراق.

لا جدل في أنّ السلاح غير الشرعي سيبقى سبباً للتوترات و»بيئة حاضنة» لأي نزاع صغُر أو كبُر، سواء صنَّفناه حادثاً فردياً أم مشهداً مستعاداً من الحرب الأهلية. وما دامت الدولة لا تمارس سلطتها بقواها الذاتية ولا تُخضع كلّ الناس للقانون من غير أن تُفرّق بين مسلح وأعزل، وبين عامل وصاحب مصرف، وبين مدني ورجل دين، فعلينا أن نقول «فالج لا تعالج».

في غضون ساعات اهتزّت البلاد من أقصاها الى أقصاها: اغتيال الياس الحصروني، ثم شاءت الصدفة أن يتحوّل نقل «روتيني» للسلاح حادثاً خطيراً فتح الذاكرة على مقدمات الحرب نظراً الى رمزية «كوع الكحَّالة» الشهير وتضافُر العناصر المحفِّزة على استحضار الماضي.

سياسة التسليح والتذخير وانتهاك سيادة الدولة وتعريض الآمنين للخطر مدانة، مثلما يُلام الجيش لتعامله مع حادث الكحالة بتباطؤ ومن موقع المتفرج، ولتفسيره ثلاثية «جيش شعب مقاومة» على أنها إطلاق يد «الحزب» كي يتصرّف بلا حسيب أو رقيب أو تنسيق، لكن المسؤولية الأولى تقع على المنظومة الحاكمة التي تمارس السلطة غير آبهة بخطورة ترك البلاد خاوية من وفاقٍ حقيقي ومن المؤسسات الضامنة لحق الدولة وحقوق الناس.

قضية الكحالة جرحٌ عميق جديد، يجدّد على الأقلّ الحديث عن استحالة التعايش بين المكوّنات، وهي قناعة ستكبر بمقدار ما يضمر حضور الدولة، وستترسّخ ما دامت دولة القانون تتراجع. فأهم وصفة لفرز الناس جماعات ومذاهب هي فكّ عرى المؤسسات الجامعة وتضاؤل حضور الدولة وانعدام الثقة بالقضاء. وهو ما يعانيه اللبنانيون، منذ اغتيال الرئيس رفيق الحريري وصولاً الى تفجير مرفأ بيروت وما بينهما وما لحقهما من أحداث عجزت العدالة المحلية عنها، بعدما شُنَّت عليها حرب شعواء وجُرّدت من قدراتها بالترهيب والأساليب الفاسدة التي تتغطى بالقوانين.

ولأنه أمّ المؤسسات، يتحمّل مجلس النواب بالتحديد مسؤولية التفريط بالسلم الأهلي وإذكاء العصبيات وفتح المجال للرياح السَموم لتدخل في كل مفاصل البلاد. فهو الذي شرَّع السلاح غير الشرعي شريكاً مضارباً للدولة. وهو الذي لم يبادر الى أي إصلاحات بعدما أتاح لعصابة رياض سلامة والمصارف أن تفتك بودائع المواطنين. وهو الذي وافق على الموازنات والعُجوزات وجرائم الاقتراض وتواطأ مع الوزارات التي «تزينت» بالفاسدين على الدوام.

مجلس النواب هذا مدعوّ اليوم الى التكفير عن خطاياه، وتدارُك الأشنع، بوقف التعطيل المتحايل على الدستور، والذهاب الى انتخاب رئيس جمهورية، مقدمةً لإعادة تسيير كل المؤسسات ولملمة أشلاء الدولة، قبل أن نستفيق مصطنعين الدهشة وناعقين في الخراب.

*نقلا عن نداء الوطن

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط