شرعية التدخل العسكري في النيجر
منذ وقع الانقلاب العسكري في النيجر الشهر الماضي لم تُخْفِ المجموعةُ الاقتصادية لغرب أفريقيا (إيكواس) نيتَها استخدامَ القوة لإعادة الأمور إلى نصابها، فأمهلت قادة الانقلاب أسبوعاً للتراجع، وقد انقضى بالفعل دون حدوث التدخل. وبعد انتهاء المهلة كان واضحاً أن قادة المجموعة، وإن لم يتخلوا عن الخيار العسكري إلا أنهم أدركوا القيودَ الواردةَ عليه، وهي قيود كثيرة بعضها سياسي وبعضها قانوني ناهيك بالقيود العسكرية. وتهتم هذه المقالة بالقيود القانونية على ضوء تصريحات مفوض الشؤون السياسية والسلم للإيكواس، السبت الماضي، بأن لدى المجموعة أسباباً مشروعةً للتدخل في النيجر دون حاجة لموافقة مجلس الأمن الدولي، كما أشار إلى أنه سبق للمجموعة أن تدخلت عسكرياً في بعض دولها. والواقع أن مسألةَ التدخل العسكري في الشؤون الداخلية لدولة ما ليست بهذه البساطة، ولنبدأ القصة من أولها.
الأصل في التنظيم الدولي والإقليمي هو عدم جواز التدخل في الشؤون الداخلية لدولة ما (م7/2 من ميثاق الأمم المتحدة) و(م7/4 من القانون التأسيسي للاتحاد الأفريقي)، والأصل كذلك هو تفضيل وتشجيع التسوية السلمية للمنازعات الدولية (م3/2 من ميثاق الأمم المتحدة، وفصله السادس بالكامل)، والامتناع عن التهديد باستخدام القوة، أو استخدامها ضد سلامة الأراضي أو الاستقلال السياسي لأي دولة على نحو لا يتفق ومقاصد الأمم المتحدة (م4/5)، على ألا يخل هذا بتدابير القمع الواردة في الفصل السابع من الميثاق، وهو الفصل الذي يعالج حالات تهديد السلم والإخلال به ووقوع العدوان. وحتى في هذه الحالة يبدأ المجلس بالتدابير التي لا تتطلب استخدامَ القوة كوقف الصلات الاقتصادية وقطع العلاقات الدبلوماسية، فإذا لم تفِ هذه التدابير بالغرض منها جازَ للمجلس هنا فقط أن يستخدم القوةَ. ويُلاحظ أن القانون التأسيسي للاتحاد الأفريقي، وإن حظر في م6/4 منه استخدام القوة أو التهديد باستخدامها بين الدول الأعضاء، فقد جاء أقل تحفظاً من الميثاق الأممي في هذا الصدد، إذ تحدَّث في ذات المادة عن تسوية الخلافات بين الدول الأعضاء بوسائل «مناسبة» يقررها مؤتمرُ الاتحاد، ولم يصفها بالسلمية بالضرورة. والأمر نفسه بالنسبة للتدخل في الشؤون الداخلية، فرغم تقرير مبدأ عدم التدخل في م7/4 فإن القانون التأسيسي أعطى الاتحادَ الحقَّ في التدخل في ظل ظروف خطيرة حددها حصرا ًبجرائم الحرب والإبادة الجماعية (م8/4)، كما أعطى الدولَ الأعضاء الحقَّ في طلب التدخل من الاتحاد لإعادة السلم والأمن (م9/4).
وقد نظم ميثاق الأمم المتحدة دورَ التنظيمات الإقليمية في حفظ السلم والأمن الدولي (م52)، فأباح «استخدامها» في أعمال القمع كلّما رأى ذلك ملائماً، ويكون عملها حينئذ تحت مراقبته وإشرافه، ولا يجوز لها القيام بأي عمل من أعمال القمع بغير إذن المجلس (م53).. فمن أين أتى مفوض الإيكواس بهذا التصريح الحاسم حول عدم حاجتها لإذن من مجلس الأمن للتدخل في النيجر؟ صحيح أنها تدخلت من قبل في غينيا بيساو (1998و2012)، وفي ساحل العاج (2003)، وفي مالي (2013)، وفي جامبيا(2017)، لكن الظروف كانت مختلفة، فقد تم التدخل في مالي بناءً على طلب الحكومة، وفي جامبيا لرفض الرئيس الذي خسر منصبَه في الانتخابات التسليمَ بنتائجها.. وهكذا. والأهم أن كل هذه السوابق لا تلغي بطبيعة الحال أحكامَ الميثاق الأممي، لكن العلاقات الدولية للأسف ساحة لا ينظمها القانون.
*نقلا عن الاتحاد