"ولكن، ماذا عن القضية الفلسطينية؟"

فيصل عباس
فيصل عباس
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط

استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي

0:00
6 دقائق للقراءة

خلال مقابلته الأخيرة مع قناة فوكس نيوز، أوضح ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان أربع نقاط مرتبطة بالقضية الفلسطينية - الإسرائيلية والحديث حول تطبيع سعودي محتمل مع إسرائيل:
أولا: نعم، صحيح أنه يوجد محادثات جارية حول حل محتمل من شأنه أن يحسّن حياة الفلسطينيين.
ثانيا: تقترب الرياض من تطبيع علاقاتها مع إسرائيل.
ثالثا: تقود إدارة الرئيس بايدن هذه المبادرة.
رابعا: كلا، خبر تعليق المحادثات بين السعودية وإسرائيل ليس بصحيح.

وأتى هذا التوضيح بعد أشهر من التكهنات، إذ توهم بعض من المحلّلين أن المطالب السعودية المشروعة التي لطالما عبّرت عنها المملكة، والتي تشمل إبرام اتفاقية أمنية خطية مع الولايات المتحدة والحصول على المساعدة من أجل تطوير برنامجها النووي لأهداف سلمية، بالإضافة إلى رفع القيود التي كانت مفروضةً في السابق على بيع الأسلحة للمملكة، ستأتي على حساب أي حلّ قد تقبل به القيادة الفلسطينية. إلّا أن ما فات الكثير من النقاد أيضًا هو أن مطالبة المملكة واشنطن بهذه المسائل تشكّل نتيجةً طبيعيةً لاتفاق تطبيع العلاقات بين السعودية وإسرائيل، إذ ما كان أي من هذه المطالب ليعتبر ممكناً من دون ذلك، فمن المستحيل تقريباً لأي إدارة أميركية أن توافق على مثل هذه الترتيبات لأي دولة لم تُبرم اتفاق سلام مع إسرائيل.

ومن البديهي القول إن البلدان لها الحقّ في التركيز على مصالحها الخاصّة والعمل على تحقيقها. ونرى، في هذه الحالة، قوةً إقليميةً كبرى — مثل المملكة — تُصرّ على أخذ مصلحة الفلسطينيين في عين الاعتبار في حين لم يجبرها أحد على فعل ذلك. في حين أن دولًا إقليميةً أخرى لم تتردّد في العمل على إبرام اتفاقيات تطبيع مماثلة مقابل الاعتراف بأراضٍ متنازع عليها، مثل المغرب الذي اعتُرف بسيادته على الصحراء الغربية خلال عهد دونالد ترامب. ومثل لبنان، الذي يهيمن عليه حزب الله، حيث تمكّن من توقيع اتفاقية لترسيم حدوده البحرية مع إسرائيل (على الرغم من عدم اعترافه بها رسميًا)، وذلك مقابل حصوله على حقوقه من احتياطات الغاز في البحر.

ولكن، لا تتمتّع أي من الدول العربية التي وقّعت اتفاقيات مع إسرائيل بثقل السعودية وأهميتها ونفوذها. وبالتالي، فإن الأسئلة الحتمية التي سيطرحها المتشائمون قريباً هي التالية: ولكن، ماذا عن القضية الفلسطينية؟ وهل يعني هذا أن السعودية قد باعت هذا المبدأ المهم؟ ولعلّ ولي العهد نفسه هو أفضل من أجاب على هذه الأسئلة، حيث قال إنه "بالنسبة لنا، القضية الفلسطينية مهمة جدًا ونحتاج إلى إيجاد حلّ لهذا الجزء... ونأمل أن يصل هذا الموضوع إلى نتيجة تسهّل حياة الفلسطينيين". ومع ذلك، سيسعى المشككون ودعاة الحرب دائمًا إلى تعكير المياه. لذلك، أعتقد أنه ينبغي ألّا نوليهم أي اهتمام لأن الأفعال دائمًا ما تكون أبلغ من الأقوال.

ودعونا لا ننسى أن السعودية هي التي طرحت مبادرة السلام العربية في العام 2002. ويتماشى ما قاله ولي العهد مع كلّ المحاولات التي اضطلعت بها البلاد منذ ذلك الوقت بهدف توفير فرص لتحقيق السلام والتي استند الكثير منها على مبادرة السلام العربية كنقطة بداية. إلّا أنه، في نهاية المطاف، لا يمكن للسعودية، تمامًا مثل أي دولة أخرى، أن تفاوض أو تقرّر بالنيابة عن الفلسطينيين أو الإسرائيليين، إذ يجب على الطرفين المعنيين فقط أن يتفقا على السلام وشروطه.

وبالنسبة لما يمكن للسعودية أن تفعله، وكانت تفعله خلال العامين الماضيين، فهو العمل على تطوير مقترح يجعل من السلام خيارا أكثر جاذبيةً من الحرب لكلا الطرفين. ففي الواقع، يعمل فريق كامل في وزارة الخارجية السعودية مع الأطراف المعنية والجادة، مثل الاتحاد الأوروبي وجامعة الدول العربية، بهدف تطوير مخرجات مبادرة السلام العربية، وتصور إجابات لأسئلة أساسية مثل: ما الذي ستبدو عليه المنطقة إذا ما كان السلام قابلاً للتحقيق؟ وكيف يمكننا جمع الموارد لضمان فهم الطرفين لقيمة هذا السلام؟

لقد تمّ، بحسب فهمي، النظر في كل التفاصيل التي يمكن للمرء أن يتخيّلها، بما في ذلك كيفية تعزيز الاقتصاد الفلسطيني من خلال التصدير إلى إسرائيل والدول المجاورة الأخرى. وفي الواقع، قد يعتبر البعض أن هذه الخطوة أتت نتيجة درس مستفاد من خطّة جاريد كوشنر. نعم، يمكن القول إن كوشنر قدّم في نهاية المطاف لإسرائيل أكثر مما قدّمه لفلسطين وأنه كان يمكن لفريقه أن يقوم بعمل أفضل لو امتنع عن عزل السلطة الفلسطينية (التي كان يمكنها أن تكلّف نفسها عناء الحضور رغم ذلك). ولكنها، لأول مرة، قدّمت فكرةً عن كيفية دعم الاقتصاد ومنح الفلسطينيين فرصةً حقيقيةً.

وتبذل السعودية قصارى جهدها من أجل إقامة إطار حقيقي يمكن عبره تحقيق السلام، حيث اتخذت خطوات عديدة في هذا الاتجاه، منها تعيين السفير السعودي لدى الأردن نايف بن بندر السديري قنصلًا عامًا للسعودية في القدس وإدانة أي استفزاز للمصلين في المسجد الأقصى، بالإضافة إلى الاستمرار في تقديم الحوافز للجانبين (بما في ذلك السماح لبعض الوزراء الإسرائيليين بحضور قمم دولية أقيمت في المملكة).

هل يمكن حصول معجزة خلال الأسابيع أو الأشهر القليلة القادمة؟ في الواقع، إن كان هناك درس يمكننا استقاؤه من رؤية السعودية 2030 وما حقّقته خلال السنوات الست الماضية، فهو أن العزيمة تجعل من المستحيل ممكنا.

فهل إذا يمكن تحقيق سلام مع الحكومة الأكثر يمينيةً في تاريخ إسرائيل؟ لعلّ الإجابة الأفضل على هذا السؤال أتت على لسان الحاخام مارك شناير خلال حديثه مع برنامج "فرانكلي سبيكينغ" الخاص بصحيفة عرب نيوز قبل أيام، حيث قال إنه "عندما يتعلق الأمر بهذه المفاوضات وعندما يتعلق الأمر بالتنازلات، عادةً ما نحتاج إلى أشخاص يمينيين أكثر من أجل التأكيد على مصداقية وشرعية وأصالة ما من شأنه أن يكون سلامًا فعليًا وحقيقيًا".

ففي نهاية المطاف، تمّت الموافقة على معاهدة السلام بين مصر وإسرائيل في العام 1979 والتوقيع عليها من قبل رئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك مناحيم بيغن، وهو صهيوني مخلص والزعيم السابق لميليشيا الإرغون الوحشية التي ارتكبت الفظائع خلال السنوات التي سبقت تأسيس دولة إسرائيل، إلّا أنها لا تزال مُعتمدةً حتّى يومنا هذا. وقد حصل بيغن حتّى على جائزة نوبل للسلام بالمناصفة مع الرئيس المصري آنذاك أنور السادات. ومن كان يتصوّر أن الزعيمين الجمهوريين الإيرلنديين جيري آدامز ومارتن ماكغينيس، اللّذين ظلّا مكروهين لفترة طويلة في لندن بسبب ارتباطاتهما الإرهابية، سيؤدّيان، في نهاية المطاف، دوراً رئيسياً في إحلال السلام في أيرلندا الشمالية من خلال اتفاق الجمعة العظيمة الذي أبرم في العام 1998؟

ولكن، ماذا لو قرّر عناصر في حركة حماس تخريب الاتفاق مرةً جديدةً؟ كل ما يمكننا قوله في هذه الحالة هو أن أحد تعريفات الجنون هو فعل الشيء نفسه مرارًا وتكرارًا وتوقع نتيجة مختلفة. وتشير الأحداث التي عايشناها خلال الأعوام الخمسة وسبعين الماضية إلى أن القضية الفلسطينية كانت تشهد تراجعًا، لا تقدمًا.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط