الحقائق الصّادِمة لإسرائيل
لم تُظهِر إسرائيل بعد أنها استيقظت إلى إمكانية الإقرار بالحقائق الكثيرة التى تُذَكِّرها بها مجدداً الصدمةُ العسكريةُ التى ضربتها على يد (حماس) فى الأحداث الأخيرة. وهذا ما يجعل القادم مثيرا للقلق على المنطقة. من هذه الحقائق، أولا، أنه يمكن أن تُفرَض عليها حرب مباغتة واسعة المدى تُلحِق بها قتلى بالمئات، مع إصابات موجِعة لاقتصادها، ورعب رهيب لسكانها، وتنال من الهيبة التى تروجها لنفسها. وثانيا، أن أجهزة استخباراتها، ومعها كل أجهزة الدول الصديقة، لن تستطيع دائماً أن تتوقع هذه الحرب، ولا أن ترصد نوعية الأسلحة وكمياتها لدى الطرف الآخر، ولا أن تعرف خططه وأهدافه الاستراتيجية والتكتيكية..إلخ. وكما أن كل هذا يُزيد من ضغط عنصر المباغتة، فإنه يُزيد من صعوبة مواجهة إسرائيل للأمور فتتساهل فى ممارسة العنف. وثالثاً، أنها ينبغى أن تراجع نفسها فى مثل شعاراتها عن أن جيشها لا يُقهَر، خاصة أنه قد بدا فى السنوات الأخيرة أن الشعار يتجاوز الدعاية المقصودة فى الحرب النفسية ضد الأعداء، إلى أن صار عقيدة وهمية لدى الإسرائيليين. ورابعاً، أن إسرائيل هى المسئول الأول عن إتاحة الفرصة لأكثر أعدائها تطرفاً ضدها كبديل من عدة بدائل كان يمكن أن تكون أكثر مرونة، ولكنها دمَّرت البدائل الأخرى أمام الرأى العام الفلسطينى وإقليمياً ودولياً، وهيأت الأوضاع للمتشددين ضدها، بسبب أخطاء جوهرية تقوم على وهم قدرتها على خداع كل الأطراف. وكان الخطأ الكبير أن الرأى العام الإسرائيلى صدَّق هذه الأوهام، وانتخب المرشحين الإسرائيليين الأكثر تطرفاً، فكانت سياستهم التى أدت إلى الحرب الأخيرة المباغتة بنتائجها التى تفرض عليهم أن يتعاملوا مع الواقع. لقد كان أمام الإسرائيليين فرصة تاريخية قبل نصف قرن لأن يدركوا هذه الحقائق، إلا أنهم أصروا على خداع أنفسهم فى صدمتهم التاريخية فى حرب أكتوبر 1973، ورفضوا الاعتراف بهزيمتهم، وأصروا على تسميتها نصراً، وحتى بعد تشكيلهم لجنة لتقصى الحقائق أصروا على أنها لا تتجاوز (التقصير)، وأوغلوا فى تدمير كل فرص السلام مع الفلسطينيين، وإذلال الفريق الذى أبدى منهم مرونة للسلام، وأهانوا مقدسات الفلسطينيين الإسلامية والمسيحية، وضيَّقوا عليهم فى الحدود الدنيا للحياة. وحتى قبل الأحداث الأخيرة أعلن أحد وزرائهم أنهم لن يُعيدوا للفلسطينيين سنتيمترا واحدا من الأرض!
* نقلا عن "بوابة الأهرام"