لمصلحة من ان يكون الصراع... صراع وجود

سمير التقي
سمير التقي
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط

استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي

0:00
6 دقائق للقراءة

يرفض الكثيرون أن يصدقوا عيونهم، بل يرفض بعضهم حتى أن يرى هول وفداحة ما قامت به "حماس" بعد دخولها للأراضي الاسرائيلية. اخبار ملفقة؟ دعاية امبريالية صهيونية؟ مؤامرة؟ ممن وعلى من؟ العالم مقتنع بما يرى، ولا تملك حماس رواية بديلة عما حدث إثر دخول قواتها إلى المستوطنات.


في نهاية الامر يتحول الجدل مع هؤلاء الناس إلى أن "العين بالعين والسن بالسن". فهل نجحت حماس في تحقيق نبوءة بن لادن بالسعي لقسم العالم إلى " فسطاطين"؟ في النهاية ليس العرب من سينتصر، بل إيران وروسيا.

الطريقة التي صممت بها "طوفان الأقصى" استهدفت اقناع أي إسرائيلي وأي عربي، ان الحياة المشتركة مستحيلة بالمطلق. في هذه الحالة ثمة نتيجتان محتملتان: إما ان يطفش الإسرائيليون، ويغادروا إسرائيل، أو يطفش الفلسطينيون.

قد يكون قلة من الإسرائيليين قد طفش، لكني أعتقد أن إسرائيل والإسرائيليين يتصرفون على أساس أن "إسرائيل وجدت لتبقى!".

أما وأنهم يحشدون قواهم ليضربوا، تصبح الحرب تهديداً لمجرد وجود الفلسطينيين في غزة، فأمام القوة الكاسحة لإسرائيل والغرب يصير تطفيش الفلسطينيين من غزة، أمراً واقعاً، لن تفيد في منعه لا مظاهرات الواتساب ولا الانترنت ولا عرائض الفيسبوك! فحماس لا تزال ترفض الاعتراف بوجود إسرائيل، وتريد جعل الصراع حرب وجود للفلسطينيين. فهل يريد الفلسطينيون ذلك؟


في الحرب كما في السلام تحكم لعبة "عض الاصبع" لعنترة العبسي كل الصراعات. فمن يقول آخ يخسر. وعندما شنت حماس هذه الحرب قالت (آخ) من الحالة الراهنة، وذهبت نحو الحرب.


ومثل الحادي عشر من أيلول (سبتمبر) هزت الاحداث، التي انطلقت يوم السبت الماضي الشرق الأوسط من جديد، العقل الاستراتيجي الإسرائيلي. لكن الأهم انها يفترض ان تهز العقل العربي.


كان سهلاً في الماضي، رد كل هزيمة لنظرية المؤامرة. فلقد استدرجت السفيرة الاميركية صدام حسين لاحتلال الكويت. ولعبت "الإمبريالية والصهيونية" بعقل الإرهابيين الانتحاريين في الحادي عشر من أيلول 2001 لضرب الإسلام.


لكن هذه المرة، وعلى عكس الكوارث العربية والإسلامية السابقة، لا أحد يستطيع حتى الادعاء بنظرية المؤامرة. إذ انها حماس. "يداك أوكتا وفوك نفخ". وليس ثمة شك في انها هي التي خططت وفعلت. إذا كان ثمة من يؤثر فيها، فهي طهران، "وحزب الله" ودمشق، وموسكو.

نعم، بحسب ديفيد إغناثيوس في "الواشنطن بوست"، صدمت المنظومة الأمنية والاستراتيجية الاسرائيلية، في أعماقها. فإسرائيل، إضافة لإهمالها التحذيرات المصرية من اقتراب الوضع في غزة من لحظة الانفجار، وإضافة لعنجهية الردع، سكرت بغرور القوة. لكن الأهم من ملاحظات ديفيد، انها غضت النظر عن حقيقة تحول حماس لعضو فاعل في النادي الإيراني الممتد من بيروت إلى صنعاء ودمشق. فإسرائيل هي التي استثمرت في الحلقة المفرغة الحمقاء للصراع داخل البيت الفلسطيني، من منطق فرق تسد. واعتقد بعض الاستراتيجيين الإسرائيليين بفائدة الفوضى الإقليمية، بل ذهبوا لتوافقات تكتيكية، تحت الطاولة، مع الأنظمة الاستبدادية من سوريا لغزة إلى حزب الله وإيران وروسيا.


ما يتضح الآن هو أن إيران هي التي تستثمر في الانهيار الإقليمي أكثر بكثير مما قد تستفيد إسرائيل تكتيكياً، وتملك رؤية أوسع لإدارة الفوضى. فحين اعتقدت إسرائيل أن الردع، الخالي من الرؤية الكلية الشاملة، يمكن ان يكون استراتيجية سليمة، فان هذه الرؤية لم تكن الا وسيلة لتجنب ضرورة السلام، وأداة تستثمر ايران فيها.

الشرق الأوسط، تلك المنطقة الموسومة تاريخياً بطبقات من التعقيدات الاجتماعية والسياسية، تجد نفسها على أعتاب حقبة تحولية، لتنكشف من جديد على خطر أن تعود مكسر عصا، ورقعة شطرنج جيوسياسي ثلاثي الأبعاد.

ستلاحظ العين الفطنة صبر إيران المحسوب، واستراتيجياتها الهادفة لإعادة المنطقة نحو لحظة الصفر، نحو الصراع الأبدي. في هذه المصفوفة من القوة والنفوذ، لا تقتصر طموحات إيران على تحقيق مكاسب استراتيجية، بل يتكشف المسعى الإيراني الحثيث للاستثمار في الصراع الوجودي العقائدي، ولتأخذ هي وروسيا، وكما في الخمسينات والستينات، العالم العربي والإسلامي نحو الحرب الأبدية. نعم ان هدف إيران هو تأبيد الصراع، ليس على حسابها بالطبع، فإيران لن تتحرك، إلا بمناوشات لحفظ ماء الوجه، بل على حساب العرب والمسلمين.

ينتظر العرب والمسلمون مسعى شاق لإجراء تحول أيديولوجي نحو تحديات الحضارة والعصر، والخروج عن الروايات الأسطورية الراسخة، وتحويل سردية الصراع نحو الاستثمار في المستقبل. يجب ان لا تبقى فرص السلام حالة شاذة، بل قاعدة في الشرق الأوسط. وبدل أن ينزل التطرف شبحاً يطارد آمال المستقبل، في سجلات التاريخ الملفق والظافري، يجب ان تكون سردية للسلام.


كوسائل لهندسة وعي المجتمعات، تلعب وسائل الإعلام والمثقفون دور السلاح الحاسم في ساحة يحتلها بامتياز أنصار تقسيم المنطقة إلى فسطاطين، كساحة للحرب الأبدية.

لكن في قمة هذا الاحتدام ثمة فرص كبيرة. فلو تابعنا الرقص المتقن والبارع والديناميكي للجغرافيا السياسية، سنجد انه رغم ضجيج المعارك العلنية تتشكل سرديات جديدة في أروقة الثقافة والسياسة. بل تخلق من جديد فرصاً للخروج عن استعصاء هذه الجرائم المهولة التي تقفل العقل السياسي للطرفين.

لم تتراجع فرص السلام في الإقليم، على عكس ما يردد الكثيرون. وتحمل تصرفات إسرائيل في هذا المنعطف أهمية استراتيجية هائلة في تشكيل الديناميات المقبلة إما كقاعدة للحرب الأبدية او للسلام.

والآن لن تغلق إسرائيل صفحة هذه الحرب إلا بعد تحييد حماس. لكن الأهم هو ألا تنتهي هذه الحرب إلا بالحد من طموحات إيران، وحرمانها من أي فرصة لاستعادة نفوذها وجعل المنطقة العربية رهينة لأجنداتها. يجب ان تكون تلك مهمة العرب.


لا يعني ذلك الدعوة لتوسيع الصراع، بل على العكس تماماً. فبينما يفكر الاستراتيجيون باستعادة المبادرة يجب أن نضمن ألا تخدم عن غير قصد الأجندة الإيرانية. اذ يعتقد الغرب ان خروج اسرائيل قوية من هذه الحرب هو امر ضروري لكن من الضروري بذات القدر فتح الطريق للسلام.

* نقلا عن "النهار"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط