هوية ومشاريع وطنية في الأوقات الصعبة

بسام البنمحمد
بسام البنمحمد
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط

استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي

0:00
3 دقائق للقراءة

في الأوقات الصعبة ينتشر الصوت الأعلى (ليس بالضرورة أن يعبر عن الحقيقة أو أن يكون على صواب) لكنه الأعلى، وعندما ينتشر الصوت الأعلى يصبح مرهبا للمجتمع الذي ينتشر فيه، فيتبعه أغلبية الناس، إما تأثرًا أو رغبة في الانتماء أو خوفا. فمن يجرؤ على مخالفة الأغلبية في أوقات الهيجان؟ وبغض النظر عن أي منطق يجد المجتمع نفسه منجرا خلف الصوت الأعلى حتى لو كانت المؤشرات كلها تدل على أنه سيقودها للهلاك لكنا نجدها تتبعه بل تزايد عليه!

في هذه الأوقات تحتاج المجتمعات لقادة لديهم الجرأة لمخاطبتهم وإعادة ترتيب أولوياتهم بحسب مصالحهم الحقيقية وبالمنطق لا بحسب الصوت الأعلى ومصالحه أو اندفاعه ولا بحسب عواطفهم ومشاعرهم.

ولكن يجب أن يسبق الخطاب، امتلاك الدولة لرؤيتها الخاصة ومشروعها الوطني الذي تُرسم من خلاله التوجهات وتقاس مصالحها بناء عليه لا بناء على جرأة وشجاعة مخالفة الصوت الأعلى من دون مشروع وطني بارز المعالم. فكثير من المسؤولين الذين امتلكوا الشجاعة لمخالفة الصوت الأعلى لم تكن لديهم مشاريع وطنية أو رؤية وطنية فخدموا - عن غير قصد - مشاريع إقليمية أو دولية امتلكت مشاريعها الخاصة فوظفت هذا الخطاب وهذا التوجه لمصالحها هي بكل سهولة لأن هذه الشجاعة لم تجد طريقها الخاص الذي تسير عليه بوضوح إنما اضطرت للسير على الطرق المتاحة وهي في الغالب مشاريع الآخرين حتى وإن غلفوها بإطار عالمي.

فعندما تكون هناك رؤية لمشاريع وهوية وطنية واضحة وقادة عندهم من الحكمة والشجاعة لتحديد أولوياتهم الوطنية وفق مصالح دولهم لا وفق ما يريده الأقوى أو أصحاب الصوت الأعلى، فعندها تتحقق الغايات المنشودة وتنتصر على التحديات بكل عزيمة وإصرار حتى وإن كانت في إقليم صعب وملتهب.

وهذا ما نجده عند دول الاعتدال والسلام العربية، سواء في مملكة البحرين أو المملكة العربية السعودية أو الإمارات العربية المتحدة على سبيل المثال، فهي دول تضع التنمية والاستقرار والسلام والازدهار الاقتصادي على رأس أولوياتها ولا يمنعها ذلك من نصرة قضاياها العربية العادلة لأنها تعبر عن قيمها وقناعتها فلا تتناقض أفعالها مع مصالحها ولكنها تسعى لتحقيقها بعقلانية وحكمة تتوافق فيها الغايات مع الأساليب والأدوات المستخدمة لتحقيقها لا أن تكون الغايات مرفقة بشعارات غير واقعية تبعدهم عن تحقيق الغايات على أرض الواقع.

فمن يمتلك الرؤية الواضحة وفق هوية ومصالح وطنية وشجاعة كافية يستطيع ربطها مع بعضها البعض وبناء القدرات وامتلاك الأدوات التي تعين على تحقيق الغايات المنشودة بكل واقعية. ومن يبحث عن إرضاء الصوت الأعلى سيجد نفسه منعزلا عن الواقع وبعيدا عن تحقيق أي مكتسبات وفي منطقة وعرة لا حل واضحا فيها يخرجه منها إلى الطريق الصحيح، وسيكون كمن وقع في حفرة وقرر أن يحفر بقوة للخروج منها، فكل ما يفعله هو تعميق الحفرة حتى وإن صفق له صاحب الصوت الأعلى على قوته في الحفر.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.